خاص

بانوراما الصيف :تجارة النساء…الوجه الجديد للاسترقاق الحلقة الأخيرة

خلاصات رحلة

تغوص الكاتبة والصحافية المكسيكية ليديا كاتشو، في كتابها، «تهريب النساء»، في العالم المظلم لتجارة الجنس، لتظهر أن القوانين والمواثيق العالمية لم تتمكن من الوقوف في وجه ظاهرة استرقاق البشر، في شكلها المتمثل في الاستغلال الجنسي للنساء والفتيات الصغيرات، والتي أضحت تتخذ أشكالا أكثر تنظيما تشرف عليها «مافيات» منظمة، وتحظى، في أحيان كثيرة، بحماية السلطات الرسمية.  ولأجل ذلك، جابت

كاتشو ثلاث قارات في تحقيق دام خمس سنوات، استمعت خلاله إلى المهربين والضحايا اللواتي يتحول كثير منهن إلى مستغلات، والوسطاء والزبناء وأعضاء في المافيا والجسم العسكري والسلطات العامة، التي تتفشى في أوساطها الرشوة بشكل كبير، كما التقت أيضا ضحايا تمكن من الخروج من مستنقع الاستغلال الجنسي.
تورد «الصباح» في هذه الحلقات مقتطفات من رحلة كاتشو، التي قادتها إلى تركيا وفلسطين وإسرائيل واليابان وكمبوديا وبيرمانيا والفييتنام والأرجنتين والمكسيك، واستقت منها أزيد من مائة شهادة صادمة في بعض الأحيان، تؤكد العلاقة ما بين غنى وسلطة المستغلين، والفقر والفروق الاجتماعية التي يعانيها الضحايا.

يتفق الجميع على أن الاستغلال الجنسي هو الشكل الأكثر انتشارا لاسترقاق البشر، بنسبة حوالي 79 في المائة من الحالات، يليه مباشرة العمل الجبري بكل أشكاله، الذي يشكل 18 في المائة، من مجموع حالات استغلال البشر. الاستغلال المرتبط بالأعمال المنزلية والزواج القسري وتجارة الأعضاء واستغلال الأطفال في التسول تشكل مجتمعة حوالي 3 في المائة من حالات الاستغلال.
يمكن إذن التفريق بين أنواع مختلفة من الضحايا، الذين يعانون مستويات متباينة من الاستغلال. وتعتمد النتائج المحصل عليها على الطريقة المعتمدة من أجل استخلاص المعلومات.  لكن غزارة الأرقام المتعلقة باستغلال البشر ساهمت بشكل أو بآخر، في تشويه بعض الحقائق، خصوصا أن الأرقام المعلن عنها مرتبطة فقط بالحالات المكتشفة، في حين، توجد حالات كثيرة لم يتم الكشف أو التبليغ عنها، يصعب التحقق من عددها. فالجرائم  المرتبطة ب»الشرف»، مثل الاغتصاب أو زنا المحارم، ما زال يتم التستر عنها في العالم أجمع، من السويد حتى نيكاراغوا، ويعود ذلك في أحيان كثيرة، إلى رغبة الضحايا، اللواتي يشعرن بالعار إزاء الكشف عن هذه الحوادث، ويخجلن من  تقديم شهادتهن للعلن، عن حادثة لا يعتبرنها  فقط جسدية، كما تصور له الشرطة، ولكن عبارة عن عنف مركب وأليم، يتخذ أشكالا عديدة يصعب الكشف عنها أمام الآخرين.
وتؤكد ليديا كاتشو أن الرحلة التي قامت بها لمدة خمس سنوات في عدد من بلدان العالم، خرجت منها بخلاصة أساسية مفادها أن الثقافة الخاصة بكل بلد أمر حاسم يجب أخذه بعين الاعتبار عند دراسة ظاهرة الاتجار بالنساء، وبالتالي لا يجب المقارنة بين مجتمع خرج لتوه من الحرب، مثل الكمبودي، حيث آثار الصدمة التي خلفتها الإبادة الجماعية للخمير الحمر ما زالت بادية، وآخر مثل المكسيكي والغواتيمالي والباكستاني أو الكيني، كما أن القيم الدينية والثقافية لكل مجتمع تعتبر عاملا محددا في دراسة الظاهرة، بالنظر إلى تأثيرهما في النظرة التي يرى بها كل شخص العلاقات الجنسية. لكن الفقر المدقع في المناطق القروية، والمؤشرات المرتفعة لاستغلال الأطفال، يظلان عاملين مشتركين في كل هذه البلدان.
وعند دراسة حالات الاستغلال الجنسي للنساء، نجد أن كثيرا منهن تعرضن إلى سوء المعاملة في الطفولة ويعتبرن العنف النفسي والجنسي أمر عاد، يتعرضن له بشكل طبيعي بسبب نوعهن الجنسي، أو عرقهن، أو جنسيتهن أو حتى الطبقة الاجتماعية التي ينتمين إليها. وأصبح العنف، بفعل التطبيع معه، أمرا مستساغا، ليحرم الضحايا من أي فرصة لعيش حياة خالية من أي شكل من أشكال العنف.
وتستلزم مكافحة ظاهرة استغلال النساء جنسيا إفهام العاهرات بأن العالم قد يمنحهن فرصا أخرى لعيش حياة كريمة دون أن يضطررن إلى بيع أجسادهن، من خلال توفير العمل المحترم والمسكن والعلاج والتأمين الاجتماعي، لكي يستعدن السيطرة على أجسادهن. كما يجب على الرجال أن يتعلموا كيف يتعايشون مع الآخرين في عالم، حيث العنف والبورنوغرافيا ليست النماذج الوحيدة التي تحكم حياتهم الجنسية وعلاقاتهم بصفة عامة.
وتضطلع، مراكز الإيواء والملاجئ، من جانبها، بدور أساسي في مسلسل مكافحة ظاهرة الاستغلال الجنسي للنساء. فهي تشكل الملاذ الآمن للضحايا، اللواتي يجدن، إلى جانب الأماكن التي تعرضن فيها إلى سوء المعاملة، أماكن أخرى آمنة حيث بإمكانهن النوم والأكل والعمل، وأيضا، بناء حياة جديدة واختيار مستقبلهم بكل حرية.
وتشكل الملاجئ المؤسسة من قبل ناجيات من شبكات استغلال الفتيات جنسيا والمناضلات في مجال حقوق المرأة جزءا كبيرا من مجموع مؤسسات الإيواء الخاصة باستقبال الضحايا، بالإضافة إلى مراكز أخرى تشرف عليها المنظمات الدولية، وأخرى تابعة لجماعات دينية، خصوصا المسيحية، كما توجد ملاجئ أخرى مؤقتة أنشأتها بعض الحكومات من أجل استقبال الضحايا في انتظار الترحيل.  
ويظل النقاش الدائر حول تشريع الدعارة الأبرز في ما يرتبط بالجدل الذي يثيره الاستغلال الجنسي للنساء. ففي الوقت الذي يعتبر فيه كثير التيارات النسائية أن الوسيلة المثلى لمكافحة الاستغلال الجنسي للأطفال والنساء، تتمثل في تشريع وترخيص الدعارة، ترى كاتشو أن  ترخيص الدعارة سيشجع الاستغلال، وأن المافيات ستكون المستفيد الأساسي من هذا الترخيص، وأن الحل الحقيقي يكمن في وضع قوانين تحفظ كرامة الأشخاص، لتستعيد الكثير من الفتيات والنساء ضحايا الاستغلال السيطرة على أجسادهن، لكن أيضا في توفير ظروف ملائمة للمساواة، وهو الأمر الذي لم يبذل أي بلد الجهود الكافية لتحقيقه.

صفاء النوينو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق