هوية أمازيغية تنتظر التفعيل في شهر مارس من السنة الماضية، وبعد انتظار طويل انطلقت القناة الأمازيغية التي حملت اسم القناة الثامنة، وتوقع الجميع أن تكون القناة نافذة يطل منها الجيل الجديد في إطار الوحدة والتنوع على ما تم إنجازه ماضيا وحاضرا للانطلاق نحو المستقبل، من دون الخوض في الخصوصية اللغوية، خصوصا أن القناة كان ينظر إليها على أنها جزء من الهوية الوطنية، وليس استثناء أمازيغيا، حتى وإن كان التوجه العام يسير في هذا الاتجاه. ومنذ البداية عملت القناة على استقطاب الكفاءات الفكرية والثقافية الأمازيغية، لكن كثيرا من النقاد عابوا عليها أسلوبها الانتقائي، إذ لم تختلف كثيرا عن السائد في الإعلام العمومي.لقد كان مشروع إحداث قناة "تمازيغت" تجسيدا لإرادة الدولة في تحقيق التنوع الثقافي واللغوي، وتمكين الأمازيغية من هويتها الأساسية، كما أن إطلاق القناة كان في نهاية المطاف، تتويجا لمسار مر بمراحل متعددة، وكانت المحطة الأولى انطلقت مع الخطاب الملكي في 17 أكتوبر 2001 بمنطقة أجدير، حينها تحدث الملك عن ضرورة النهوض بالثقافة واللغة الأمازيغيتين، وجاءت المحطة الثانية من خلال تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، والمحطة الثالثة تمثلت في تشكيل لجنة ضمت عددا من المتدخلين، وعهد إليها بإيجاد صيغ ملائمة لإدماج الأمازيغية في الإعلام العمومي الوطني، حيث خلصت أعمال اللجنة إلى التوصية بتعزيز البرامج الناطقة باللغة الأمازيغية في القناتين الأولى والثانية وفي الإذاعات، علما بأن الأمازيغية كلغة وثقافة كانت حاضرة في الإعلام المغربي بشتى أصنافه من صحف وإذاعات وتلفزيونات.في تلك الفترة تبلور نقاش عميق حول إحداث قناة تلفزيونية باللغة الأمازيغية، وهو نقاش تطلب وقتا طويلا، بالنظر إلى حجم ميزانيته المنتظرة والاستثمارات المالية التي يتطلبها هذا المشروع، وأيضا بالنظر إلى حرص أعضاء اللجنة على إيجاد أفضل الصيغ التي ستظهر بها هذه القناة، في ظل وجود إشكال التعدد اللغوي والثقافي.كان النقاش منذ البداية مطروحا حول الهوية الإعلامية للقناة الأمازيغية وطبيعة المواضيع التي ستتناولها، ومن هنا ظهرت مجموعة من التيارات التي طالبت بدمقرطة القناة وانفتاحها على جميع التيارات ومكونات المجتمع الأمازيغي، مصرة على أن الهوية الثقافية والإعلامية للقناة لا بد أن تكون منطلقة من التراث والفكر الأمازيغيين.ورغم اقتناع كثير من المهتمين أن هذه القناة يمكن أن تسهم في تحرير الإعلام السمعي البصري وجعله أكثر ديمقراطية، إلا أنهم يؤكدون على ضرورة مراعاة مجموعة من الشروط، بينها تجاوز النظرة الدونية، التي سادت خلال الخمسين سنة الماضية ملف الأمازيغية في المشهد السمعي البصري المغربي، مشددين على أن نجاح القناة رهين باقترابها من نبض المحيط الأمازيغي، وأضاف المهتمون أن فتح الأبواب أمام أصوات ظلت مهمشة على مدى سنوات طويلة، من شأنه أن يسهم في تدبير الواقع الأمازيغي بكثير من الجدية والصرامة.وشددوا على ضرورة أن تضمن القناة الحق في الإعلام العمومي وتناسلت أمام القناة منذ إطلاقها مجموعة من الإشكاليات بينها انقسام اللغة الأمازيغية إلى ثلاث لهجات وهي الريفية والسوسية والأمازيغية، وهي لهجات لا رابط بينها، مما سيجعل التعامل معها يتطلب كثيرا من الجرأة الإعلامية، خصوصا أن حرف تيفيناغ، الذي يوصف بأنه الحرف الأمازيغي لا يلقى كثيرا من التجاوب من قبل عدد من الأمازيغ، ًفي ظل الصعوبة التي تعترض الحرف الأمازيغي في غياب أرشيف مكتوب بهذه اللغة. وبعد مرور سنة كاملة على طلاق القناة ما زال السؤال يطرح، هل تمكنت القناة الثامنة فعلا من لم شتات الثقافة الأمازيغية، وهل تمكنت من إيجاد أرضية حقيقية للنقاش، في أفق بلورة هوية لغوية وثقافية تعيد الإعتبار للمجتمع الأمازيغي الذي هو مكون أساسي من مكونات المملكة المغربية.يرى كثيرون أن الأمازيغية باتت فعلا مكونا أساسية من مكونات المجتمع المغربي ولعل ترسيمها في الدستور الجديد دليل على رغبة الدولة في تحقيق التكامل اللغوي والثقافي وحتى الإعلامي الذي ظلت تطمح إليه طيلة عقود من الزمن. إن القناة الأمازيغية هي في نهاية المطاف مكسب للإعلام الوطني عامة، لكن لابد أن تجسد ذلك التكامل الثقافي الذي تأسس طيلة 14 قرنا هي تاريخ بداية تغلغل العربية في المجتمع المغربي، وانصهار الأمازيغية في صلب الهوية الإسلامية التي أصبحت عاملا من عوامل الوحدة الوطنية. عبدالله الكوزي