حمص.. ثورة العمال لا يكتمل المشهد في الثورات العربية إلا بتحديد الإطار المكاني، فسنة 2011 هي سنة "ثورية" بامتياز، بل من أكثر السنوات إثارة في تاريخ العصر الحديث، فجرها محمد البوعزيزي، فتطايرت دماؤه لتمتد إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا .. ومن منطقة سيدي بوزيد ابتدأت رحلة ساحات ومدن ثائرة تتحدى قمع الأنظمة وأسلحة الجيوش.. في الحلقات التالية قصص مدن وميادين نالت شرف احتضان الجماهير الغاضبة، وكتبت بدمائهم تاريخ جديدا للعرب. تصنف حمص ثالث أكبر المدن السورية، وتقع في المنطقة الوسطى على مسافة 160 كيلومترا تقريبا شمالي العاصمة دمشق، في حين يقدر عدد سكانها بمليوني نسمة، علما أن مساحتها تزيد على 42 ألف كيلومتر مربع.وتعتبر حمص مركزا للصناعات الثقيلة، منها مصفاة نفطية تقع بالجانب الغربي منها، ومصنع للفوسفاط. كما تزخر بالمقاولات المتوسطة والصغيرة، فضلا عن أنها مركزا لتسويق المنتجات الزراعية من المحافظة ومن لبنان ومعبرا تجاريا للبضائع التي تنقل من البحر المتوسط إلى العراق.وتتمتع حمص بتنوع ديني من المسلمين والمسيحيين وتضم أقليات عرقية من بينها الأرمن، بالإضافة إلى وجود عدد لا بأس به من اللاجئين الفلسطينيين.وشكل وجود معالم دينية بارزة فيها، مثل مسجد خالد بن الوليد، نقطة جذب سياحي للمحافظة بأسرها خاصة أن مدينة تدمر الأثرية تشكل أساسا في الاستقطاب السياحي.ومن الناحية التاريخية، تأسست حمص، التي يشقها نهر العاصي، مطلع الألفية الثالثة قبل الميلاد، وتداول عليها اليونانيون والرومان والبيزنطيون، وفي السنة الرابعة عشرة للهجرة (635 ميلادية) فتح العرب المسلمون المدينة التي خضعت لاحقا لسلطتي الأمويين والعباسيين.واستولى عليها العثمانيون سنة 1516، وظلت تحت سيطرتهم زمنا قبل أن يضمها محمد علي باشا إلى حكمه، وفي سنة 1920 خضعت حمص على غرار مناطق سوريا الأخرى للاحتلال الفرنسي حتى العام 1946. وشهدت المدينة، خلال يوم واحد على انتفاضتها أكثر من 30 قتيلا مدنيا سقطوا في اشتباكات بين موالين لنظام الرئيس بشار الأسد ومعارضين له، حتى شبهها المتتبعون ب"حرب أهلية".وأضاف ناشطون في مرصد حقوق الإنسان أن "الاقتتال في حمص تحول خطير يمس بسلمية الثورة ويخدم أعداءها والمتربصين بها، والذين يسعون إلى تحويل مسارها نحو حرب أهلية"، إذ اندلعت اشتباكات بالعصي بين الطرفين على خلفية مقتل ثلاثة شباب مؤيدين للنظام، ثم ما لبث أن تطور إلى اشتباكات مسلحة، مشيرين إلى أن عددا كبيرا من القتلى سقط برصاص قناصة.وأفاد ناشطون سوريون أن قوات الجيش السوري قامت بعمليات إنزال للجيش عن طريق مروحيات عسكرية في المدينة، في حين حاصرتها الدبابات بعدما خرج عشرات الآلاف من الأشخاص إلى الشوارع للتنديد بالرئيس السوري بشار الأسد.وتطورت الأحداث بسرعة في حمص، إذ قالت منظمات حقوقية إن تسعة قتلى وعشرات المصابين سقطوا جراء القصف الذي استهدف منطقة بابا عمرو بالمدينة في إطار عملية بدأها الجيش السوري في مواجهة الاحتجاجات، ولم يسمح بدخول سيارات الإسعاف إلى المنطقة، حيث يتلقى المصابون الإسعافات في الشوارع أو البيوت.وشهدت الاحتجاجات حملات واسعة لاعتقال الماضية اعتقال المتظاهرين في المدينة ليرتفع عدد المعتقلين في 36 ساعة فقط إلى أكثر من خمسمائة معتقل، طبقا لمنظمات حقوقية قالت إنه يجري احتجازهم في ملعب لكرة القدم بالمدينة.وكان شهود عيان أكدوا أن دبابات الجيش السوري قصفت منطقة بابا عمرو في مدينة حمص. وقال الشهود على صفحة "الثورة السورية ضد بشار الأسد" بموقع التواصل الاجتماعي إن أصوات قذائف دبابات وبنادق تسمع في بابا عمرو. واندلعت المظاهرات في حمص رغم الحملة الأمنية المكثفة بعد أن اقتحمت الدبابات عدة أحياء، إذ وصف بعض الناشطين الأمر بأن "النظام يلعب بورقة خاسرة بإرساله دبابات إلى المدن ومحاصرتها". وأضافوا "السوريون رأوا دم أبناء وطنهم يسفك وهم لن يعودوا أبدا إلى ما كانوا عليه". خالد العطاوي