بلعيد أنشد أطول قصيدة عن الحج يعتبر الفنان الرايس الحاج بلعيد من شعراء ورواد الأغنية الأمازيغية دون منازع، وينسب إليه تأسيسها، واعتبره البعض أباها الروحي وقيدومها، فهو شاعر ومبدع وموسيقي كبير وأحد الرموز التاريخية للمشهد الثقافي والغنائي والفني الأمازيغي عامة، والسوسي خاصة. كما اعتبره البعض الآخر فلتة من فلتات التاريخ، ربما لن يجود الزمان بمثلها ثانية، فهو فريد وغير قابل للتقليد، ما زالت مقطوعاته تتداول من جيل إلى آخر داخل الوطن وخارجه، خاصة بأوربا، إذ ما زلنا نرى في كثير من منازل أهل سوس صورة الحاج بلعيد بجانب صورة محمد الخامس تزين جدران بيوتهم. أجمع المهتمون بالأغنية الأمازيغية على أن الحاج بلعيد يعتبر من الأسماء الفنية التي تلألأت في سماء الأغنية الأمازيغية في سوس، فغطى اسمه على أسماء باقي شعراء الروايس الذين عاصروه أو الذين أتوا بعده، بل تأثر بغنائه أشهر المغنيين العرب آنذاك على رأسهم الفنان العربي الراحل محمد عبد الوهاب. إلا أن سفره إلى كثير من الدول العربية والأوربية، أكسبه مزيدا من التجربة والإطلاع على التقدم والازدهار في هذه الدول، خاصة في البلدان الأوربية، حيث وجد مجتمعا مختلفا عن مجتمعه الامازيغي المسلم، وتحدث عن هذه الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في أغانيه، غير أنه لم يغفل الحاج بلعيد التذكير بأهمية الاستفادة مما ابتكره الحضارة الإنسانية من سيارات وقطارات وأدوات مختلفة (أرنستارا دُّونيتْ، نؤا أنزر ماني إِعمرن).والرحلة في منظور الفنان الحاج بلعيد لها مقاصد، إذ يرى أن الذي لم يرحل ولم يتجول، لا يمكنه معرفة حقيقة الناس ما لم يجربهم، ولا يرى في الرحلة بعدا تجواليا وترفيهيا فقط، بل اعتبر الرحلة مصدرا لإلهامه الشعري (لاخبار ن فاس، ؤُلا مراكش ئخ أر أكلميم * أف راد أسيخ لمعنا، لِّيس ريغ أتِّيد ئِينيغ).ومن خلال ما تبقى من أغاني الحاج بلعيد، يظهر أنه زار كلا من مصر وسوريا وتركيا وفلسطين والحجاز، حيث قضى هناك سنتين أدى خلالها فريضة الحج، خصه بقصيدة مشهورة وعند عودته من السعودية ما بين 1908 و 1910 عرج على مارسيليا بفرنسا وعاد إليها مرة أخرى عام 1938 لتسجيل أسطوانات خالدة في الأستوديو نفسه الذي كان يسجل فيه محمد عبد الوهاب أغانيه مما أتاح الفرصة للقاء والتعرف على ثقافة جديدة وآلات أمازيغية مغربية غريبة. ونظراً لكثرة ترحاله وشهرته، منحته الشركة الوطنية للنقل بطاقة سفر مجانية ودائمة. وكانت زيارته لمصر ذات فائدة تاريخية وعلمية وفنية بالنسبة للشاعر، حيث أشار إلى هذه الرحلة في إحدى قصائده (مصر ءور ءيحودي، راك نمل كرا، غ لخبار نس * لاعجاب لهرام، ذ وي لازهر ءافد ءيويغ * ءاما لقاهيرة، يان ءوراك ءيفكي لخبار نس * ءيل لجاموس، ءيل لقطن، كولشي غ لبحر ن نيل * تغري تل د لعلم، لكتوب، ءورد ءيميك). وبعد المشرق العربي، انتقل الرايس الحاج بلعيد إلى دول أوروبا وخصوصا فرنسا التي سافر إليها سنة 1931، وسجل لنا في أغنيته (أمودوا ن باريس) بعض تفاصيل الرحلة، وحياة المجتمع الأوربي، وغنى للمهاجرين المغاربة في عدة مدن فرنسية، حيث تحدث عن المغاربة في ديار الغربة والمهجر وتضحيات المهاجرين المغاربة ومساهمتهم في تنمية فرنسا ومساعدة ذويهم بالمغرب.ففي قصيدة مطولة عن مناسك الحج التي قضاها الحاج بلعيد، تحدث عن تقاليد وطقوس أهل سوس عند توديع الحجاج في اتجاه الحجاز، حيث يخرج الجميع مرددين أدعية بأن يحفظهم الله في رحلتهم وأن لا يصيبهم بأي مكروه (ألحجاج أوِّيد رانين أمودو * بلغات سلام ئنبي راصول ؤُلاّه * تنَّاماس: هان رجا كيين أغ لان * لحورما نربي لحورما ن ؤُكليد * أداح تاسيمت أتاناوت لحجاج)، ويرد عليهم الحجاج بترديدهم (بيسمي نوسي لاقدام ئنو س ربي * أنزور شيخ أيداوا تيموضان). كما تحدث الحاج بلعيد عن رحلة الرجوع وكيف يستقبل أهل الدوار والأحباب الحاج (الحامدو ليلاه * الحاج ييوريد * ئزورد أشافيع * شافيع موحماد * أراصول ِلاه). وفي نهاية رحلته الحجازية، استنتج الحاج بلعيد أن أفضل رحلة في حياته هي رحلته إلى الحج، وأن ما سواها مجرد مضيعة للوقت والمال. كما حذر أثناء رحلته إلى الحجاز من مخاطر وأهوال الطريق، مذكرا بالإجراءات المطلوبة والحرص على أداء كل الفرائض والسنن، وعدم إغفال سائر المزارات (رحلة ياد الخابارنونت أتيت فاسرغ * الفايدا هان أومودو إنو أريكس إضهريات * أمر الحيج إغ إدايان أذ إزور غالوا لدين نس * انبي نغ رسول الله ملايس أجادغ المال * كريكان العام إراد نزور غالقوبت نون).وبعد انتهائه من مناسك الحج، وصف لنا في قالب فني المآثر الحضارية والتاريخية التي شاهدها في رحلته، فتحدث عن الينبوع المعروف بحرارته المفرطة وقلة عمارته وقال بأن على المتوجه إليه أن يركب على ظهر جمل، أما من يرغب في الذهاب إلى الشام، فما عليه إلا أن يركب القطار السريع الذي يطوي مسافة شهر ونصف في أربعة أيام، حيث وصف في أشعاره هذا القطار. كما ذكر في شعره بيت المقدس وقبر سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام (لونبوع وانا تيد ئران لابود ن ؤرام * وأنا ئران شام، ئسودو غ شمان ديفِّير * شهر ؤنص ئرا تيداك ئيزري غ ربع يام * أشكو أد ءكان لكمن لقودس ئزور كيسنت * ئزور سايدنا لخليل ئدعوياس). إبراهيم أكنفار (تيزنيت)