حماة.. عاصمة المدن الثائرة لا يكتمل المشهد في الثورات العربية إلا بتحديد الإطار المكاني، فسنة 2011 هي سنة "ثورية" بامتياز، بل من أكثر السنوات إثارة في تاريخ العصر الحديث، فجرها محمد البوعزيزي، فتطايرت دماؤه لتمتد إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا .. ومن منطقة سيدي بوزيد ابتدأت رحلة ساحات ومدن ثائرة تتحدى قمع الأنظمة وأسلحة الجيوش.. في الحلقات التالية قصص مدن وميادين نالت شرف احتضان الجماهير الغاضبة، وكتبت بدمائهم تاريخ جديدا للعرب. حماة هي إحدى مدن شمال غرب سوريا، وهي مركز محافظة حماة، وتقع على نهر العاصي، إذ ترتفع عن سطح البحر بحوالي مائتين وسبعين مترا، وتقع عند خط عرض 35 وخط الطول 62. وتتميز حماة بهوائها المعتدل، ورطوبته قليلة، إذ تتعاقب عليها الفصول الأربعة، وأجمل الفصول فيها فصل الربيع حيث يعتدل المناخ والهواء. وتعتبر حماة رابع مدن سوريا من حيث السكان بعد حلب ودمشق وحمص، ويبلغ عدد سكانها حوالي 800 ألف نسمة، وتبعد عن العاصمة دمشق 210 كيلومترات، وعن مدينة حلب 135 كيلومترا وعن بانياس الساحلية 96 كيلومترا، وسكانها مسلمون وأقلية مسيحية صغيرة في حي المدينة يقدر عددها بعشرة آلاف نسمة.لقبت حماة قديما بمدينة أبي الفداء، ويرجع تاريخها إلى ما قبل الميلاد، وكانت مملكة من الممالك السورية في العصور القديمة، وتعتبر من المدن الكنعانية، سيطر عليها الآراميون ووقعت تحت نفوذ الحيثيين فترة من الزمن، وفي سنة 1700 قبل الميلاد. وتكررت الحروب بين الممالك السورية الحيثية والفراعنة ونشبت حرب كبيرة في شمال سوريا وآسيا الصغرى استمرت مدة 15 سنة قتل في أثنائها ملك الحيثيين وخلفه أخوه كيتا، وتم عقد صلح بين الحيثيين والمصريين وتزوج رعمسيس ملك المصريين بنت كيتا مار (أحد ملوك الحيثين) تأكيدا للمودة.وعادت حماة إلى واجهة الأحداث بعد الثورة السورية الأخيرة، إذ شهدت أكبر مظاهرة في سوريا في هذه المدينة منذ اندلاع الحركة الاحتجاجية، وارتفع عدد القتلى خلالها إلى 28 شخصا، وشارك فيها نحو نصف مليون متظاهر داعين إلى رحيل النظام السوري. وأشار ناشطون حقوقيون إلى أن المتظاهرين قدموا من مساجد وقرى مجاورة وتجمعوا في ساحة العاصي، إذ امتدت المظاهرة إلى مسافة أكثر من كيلومتر، جرت في أجواء خلت من عناصر الأمن. ولحماة حكايات مع القمع، إذ شهدت سنة 1982 مظاهرة أدت إلى مقتل 20 ألف شخص عندما انتفض الإخوان المسلمون ضد نظام الرئيس الراحل حافظ الأسد، إلا أن مواجهة ابنه، بشار/ للانتفاضة شهدت فصولا مرعبة، ففي يوم واحد لقي 28 شخصا مصرعهم بنيران القوات السورية. وتسببت حماة، أخيرا، في أزمة سياسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وسوريا، إذ توجه السفيران الأمريكي والفرنسي إلى المدينة، ونقل الثوار السوريون إلى السفيرين رسالة تطلب رفع الغطاء الدولي عن النظام، في حين قال مسؤولون أمريكيون إن الهدف من زيارة السفير هو إجراء اتصالات مع المعارضة.وتحدث الناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية برنار فاليرو إلى وسائل إعلام قائلا:"إن زيارة السفير الفرنسي في سوريا شوفالييه كانت ضمن عدة زيارات قام بها لمراقبة الأوضاع"، مشيرا إلى أن فرنسا تعبر عن قلقها بشأن سكان حماة وإدانتها للعنف ضد المحتجين"، داعيا الأسد إلى الإفراج عن السجناء السياسيين وبدء الإصلاحات.وفي الجهة المقابلة، انتقدت سوريا زيارة الدبلوماسيين "غير المرخصة"، وقالت إنها دليل واضح على "تورط واشنطن في التحريض على تصعيد الأوضاع". وأصدرت وزارة الداخلية السورية بيانا قال إن السفير الأمريكي اجتمع أثناء زيارته حماة مع "مخربين" وحضهم على "التظاهر والعنف ورفض الحوار". وأضاف البيان أن السفير الأمريكي "التقى بعض الأشخاص تحت غطاء زيارته بعض المشافي، ما يعد تحريضا على استمرار العنف وعدم الاستقرار ومحاولة لتخريب الحوار الوطني الجاري". خالد العطاوي