مقص الرقابة يطول أغنية "سوس الثانية" يعتبر الفنان الرايس الحاج بلعيد من شعراء ورواد الأغنية الأمازيغية دون منازع، وينسب إليه تأسيسها، واعتبره البعض أباها الروحي وقيدومها، فهو شاعر ومبدع وموسيقي كبير وأحد الرموز التاريخية للمشهد الثقافي والغنائي والفني الأمازيغي عامة، والسوسي خاصة. كما اعتبره البعض الآخر فلتة من فلتات التاريخ، ربما لن يجود الزمان بمثلها ثانية، فهو فريد وغير قابل للتقليد، ما زالت مقطوعاته تتداول من جيل إلى آخر داخل الوطن وخارجه، خاصة بأوربا، إذ ما زلنا نرى في كثير من منازل أهل سوس صورة الحاج بلعيد بجانب صورة محمد الخامس تزين جدران بيوتهم. تمثل فترة الحماية الفرنسية أحد الأحداث الكبرى التي شهدها المغرب، ورغم أن هذه الحماية بدأت سنة 1912، إلا أن الجيوش الفرنسية عجزت على دخول مناطق سوس بفضل المقاومة المسلحة الوطنية الشرسة، إذ بقيت مناطق الأطلس الصغير مستقلة تدبر شؤونها الداخلية مع خضوع المغرب للحماية، حيث أنه في عهد السلطان مولاي يوسف انشق إقليم سوس على نفسه، فنصفه الشمالي، أي السهول والأطلس الكبير، خاضع للاحتلال الفرنسي ونصفه الجنوبي يعيش نظام قبلي حر، ولم تستطع جيوش المحتل دخول سوس إلا في معركة "أيت عبد الله" التي قادها، في أواخر العشرينات، أشهر أبطال الأطلس الصغير "عبد الله زاكور" الذي وضع خطة عملية، إذ جمع حوله قبيلة أيت عبد الله، بعدما قوى جبهته الداخلية، وتحالف مع قبيلة "أملن" في تافراوت، ثم قبيلة أمانوز وتاسريرت وإدا أوسملال وتاهالا، وما إلى ذلك من القبائل. هكذا خلق عبد الله زاكور مجالا تضاريسيا يصعب على الجيوش الفرنسية التوغل فيه، ولما نتحدث عن الجيوش الفرنسي في ذلك الوقت، علينا أن نستحضر أنها أقوى الجيوش في العالم آنذاك.كل تلك الظروف والأحداث التاريخية تركت بصماتها في أغاني مجموعة من الشعراء الأمازيغ، إذ كانت مادة دسمة لفناني سوس، ففي القصيدة التي نقلها إلينا جوستينار من تيزنيت سنة 1918 للفنان "أبيضارن ن توكارت" الحاميدي، وهي قصيدة تشيد ببطولة "ئِداولتيت" في وقعة "وِجان"، موطن الفنان الحاج بلعيد، وكان ذلك سنة 1916، لأن "وجان مفتاح جزولة من قديم"، كما جاء على لسان محمد المختار السوسي. فالشاعر الحاميدي شخص لنا صورة عن إسراع القبائل الجزولية للتصدي للﮕيلولي الحاحي في ويجان واصفا في قالب شعري أمازيغي متميز الحرب الضروس بين القبيلتين للدفاع عما تعتبره معركة مقدسة للدفاع عن الأرض "الْبْلاَدْ" أو "تَمازيرت" والكرامة والاستقلال رافضا كل ما جاءهم من الخارج (خارج القبيلة بطبيعة الحال)، وبهذا الخصوص نجده يقول في قصيدة طويلة (تلكم ؤكان ويجان أيغواغن * ألعفيت ئشاهد ربي أرترغامت * أيان ئزران أويجان أسمروي نم * ئفو لحال ئفود ؤكان لحركت * ييلي لباروض ئسغاتن طّاين). أما الفنان الرايس الحاج بلعيد، فكانت مساهمته في هذا المجال جد متميزة، بل ارتبطت شهرته بقصيدة تحمل أغنية "سوس تِيسْنات" أو "سوس الثانية" كما سُجلت في اسطوانة بيضافون، لأن هناك قصة سوس الأولى أو أغنية سوس الأولى التي جرت أطوارها في أوائل القرن. رغم أن "سوس الثانية" تروي أحداثا تاريخية مر عليها عشرات السنين، لكنها تبقى، شعرا ولحنا، نموذجا فنيا راقيا للفن الملتزم بقضايا الأمة والوطن. وإذا وضعنا القصيدة في إطارها التاريخي، سنعرف قيمتها التي لخصها أحد الباحثين في "انقلب السحر على الساحر" (يقصد الساحر الفرنسي)، خاصة مع المحاولات الحثيثة للقيادة العسكرية الفرنسية فصل قبائل سوس عن قبائل الأقاليم الصحراوية، لأن القائد الأمازيغي عبد الله زاكور الذي فطن إلى ضرورة التوحد مع القبائل الصحراوية ووجد في تقدم الجيوش الفرنسية نحو الجنوب فرصة لتعاون وثيق بينه وبين المناطق الصحراوية المغربية، ومنها تسلل بمساعدة الصحراويين للحصول على الأسلحة من الجيوش الفرنسية، وذلك بهجومات خاطفة في مناطق استراتيجية لم يفلت منها ولو جندي واحد يرابط هناك رفقة سلاحه أو آلاته، هذه الخدعة الحربية التي كان يعتمد عليها عبد الله زاكور من بين أسرار صموده في وجه المستعمر بسلاح المستعمر نفسه، فكلما تقدم الفرنسيون جنوبا، كلما زادت فرص زاكور ومساعدوه في اغتنام العتاد العسكري والأسلحة والشاحنات التي وظفها زاكور في مقاتلة أعتى جيش في العالم آنذك، كل هذه البطولات والملاحم التي قادها عبد الله زاكور في الأطلس الصغير، استحضرها الفنان الشاعر الحاج بلعيد في قصيدته إلى أن تم احتلال سوس بعد معركة "أيت عبد الله" سنة 1934. فقصيدة "سوس الثانية" للفنان الحاج بلعيد التي نال منها مقص رقابة المستعمر الفرنسي وأزلامه الكثير من الأبيات التي تصف المعركة وأسماء القبائل وأبطالها، لأن الاحتفاظ بهذه الأبيات وصمة عار في جبين المحتل، لذا لم يصلنا منها إلا 43 بيتا شعريا (القايد أجرّار علسلامتك غ إيماون نْمَدَّنْ * يوسي أُوجرار لهم غار أو حدود إكابل تن * إك العَفيت غْ أو فوس إثر بارودغ أو زلماظ نس * إيرار سرف العاقل أوَرْ إيميل يا كي حركنت * ئفوس والا شرق أيضوف أريكّا أيدا نّس)، ويقصد في البيت الأول القايد عياد الجيراري (1880م- 1942م) المنتمي إلى قبيلة تعربت المتواجدة بنواحي تيزنيت، يقول له الحاج بلعيد "على سلامتك" من الادعاءات المغرضة، وأن القايد الجيراري تحمل المسؤولية "تماسَّايت" وحده في ما يفعل وواجه المسؤولية بوعي، وضع النار في يده اليمنى ووضع البارود في يده اليسرى، خوفا من تماسهما وانفجارهما. كما أن اسم القايد عياد تلهج به الألسن كثيرا لما له في الناس من شفة حسنة والتمس له السلامة من ذلك. هذه الأبيات الشعرية رمزية يفهم منها الوضع الجديد لدخول المستعمر إلى سوس وكيف كان القايد الجيراري خبيرا في التحكم في الأمور رغم صعوبتها، فالنار في يمينه والبارود في يساره، أي أن القوات الغازية من جهة، والقبائل السوسية في جهة مواجهة. فإذا لم يكن هناك رجل حكيم كالجيراري فستكون الكارثة. إبراهيم أكنفار (تيزنيت)