في ظل الملكة... لحظات قبل الرحيل تقول الحكاية العربية، إن قوما كانت لهم عنزة تسمى «براقش»، وفي يوم أرادوا أن يذبحوها فلم يجدوا سكينا، فأخذت العنزة تفحص برجليها في الأرض، حتى عثر القوم على السكين مدفونة، بعد أن أزاحت العنزة عنها التراب، فأخذوها وذبحوها فورا... فقيل «على نفسها جنت براقش». هذه الحكاية تصلح لتوصيف ما يجري في المنطقة العربية اليوم، فالشعوب التي ذاقت العذاب واصطبرت عليه، انتظرت إلى أن تجني الأنظمة على نفسها، بكثرة الفساد وحكم الأزواج والأولاد، والسعي إلى توريثهم، قبل أن تنتفض مطالبة بإسقاط النظام، في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن... الجمهوريات العربية، التي يفترض أنها تستند إلى شرعية صناديق الاقتراع، وإن بنسب الديكتاتوريات 99.99 في المائة، سرعان ما أشهرت أسلحتها في وجه شعوبها وحولت فوهات المدافع لتكميم أفواهها، وفي هذه اللحظة، بالذات، سقط النظام.. «في ظل الملكة"، كتاب صدر حديثا عن دار نشر فرنسية لمؤلفه لطفي بن شرودة، الذي عمل طباخا مقربا من زوجة الرئيس المخلوع بنعلي، وعمل خادما في القصر الرئاسي. الكتاب يسلط الضوء على جوانب من شخصية ليلى الطرابلسي، وكيف تمكنت من السيطرة على زوجها رئيس الجمهورية لتحول تونس الى جمهورية موز تسيطر على اقتصادها وقراراتها مع بقية أفراد أسرتها، كما يروي لطفي بن شرودة كيف أن الرئيس وزوجته خدعا سهى عرفات واستوليا منها على عدة ملايين من الدولارات، وكيف حاولت ليلى ان تزوج سهى عرفات من شقيقها الذي طلق زوجته لهذه الغاية.الكتاب يروي بعضا من تفاصيل اللحظة الأخيرة قبل سقوط النظام، "في هذه الأثناء توجه متظاهرون شجعان إلى قصر قرطاج، حيث مقر الحكومة، وحاولوا اقتحامه، وفجأة بدأ بعض العاملين في القصر يصرخون: «لقد وصلوا! لقد وصلوا!»، فأصيب الناس داخل القصر بالذعر. لم يعد هناك متسع من الوقت، يجب أن يغادر الجميع، أي أفراد عائلة ليلى، وتوقفت السيارات رباعية الدفع أمام مدخل القصر. وبدأت ليلى تنادي عبر الهاتف تعالوا للمساعدة! يجب حمل كل الحقائب، التي كانت بعضها ثقيلة الوزن للغاية، ويأخذ أفراد عائلة الطرابلس نساء ورجالاً وأولاداً، كل ما أمكنهم حمله من منازلهم". كان الجنرال بن عمار قائد الجيش التونسي رفض أوامر بنعلي بإطلاق النار على المتظاهرين، وحينها صرخ الرئيس "لقد انتهيت! انتهيت!".وهكذا، انطلقت سبع سيارات تحمل أفراد الأسرة في وقت واحد، وكان بعضهم ما زال بملابس النوم. وبعض الملابس تدلى من الحقائب التي لم تغلق بإحكام بسبب تعبئتها على وجه السرعة. وأظهرت ليلى شجاعة غير عادية. فقبل أن تصعد إلى جناحها لتحضير هروبها اتصلت بالمطبخ وأمرت بتحضير وجبة الرئيس. وبعد أن امتطت السيارة السيارة رباعية الدفع مع محمد قادتها بنفسها نحو المطار الذي دخله موكب السيارات عبر بوابة الثكنة لتجنب المتظاهرين، حيث يتولى أحد العسكريين حراسة الباب، وبما أنه لم يفتح الباب بسرعة فقد صدمته السيارة الأولى وسقط على الأرض مضرجا بدمائه، ولا أحد يعرف إن كان بقي حيا أم فارق الحياة، لكنه كان بلا حراك.وأمام بوابة الطائرة، بكى الرئيس ورفض أن يصعد سلم الطائرة، غير أن رئيس الحرس الجمهوري أرغمه على الصعود إلى الطائرة، وقيل انه هدده بالمسدس، قائد الحرس الجمهوري طلب من الذين لديهم الشجاعة أن يؤدوا تحية الوداع للرئيس الذي سار أمامهم ببطء قبل أن يتوجه إلى الطائرة وتقلع به.نهاية الرئيس التونسي، كانت غير متوقعة لا سرعة ولا من حيث رد الفعل، حيال الجماهير التونسية التي أسقطت النظام، لتفتح هذه الأحداث شهية الكثير من الجائعين لأجل ابتلاع أنظمتهم وتغييرها بواحدة جديدة، حينها اكتسبت الكثير من الشعوب العربية جرأتها وصاحت في ساحات التغيير ضد النظام "إرحل". إعداد: إحسان الحافظي