درعا.. ثورة أبو تمام لا يكتمل المشهد في الثورات العربية إلا بتحديد الإطار المكاني، فسنة 2011 هي سنة "ثورية" بامتياز، بل من أكثر السنوات إثارة في تاريخ العصر الحديث، فجرها محمد البوعزيزي، فتطايرت دماؤه لتمتد إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا .. ومن منطقة سيدي بوزيد ابتدأت رحلة ساحات ومدن ثائرة تتحدى قمع الأنظمة وأسلحة الجيوش.. في الحلقات التالية قصص مدن وميادين نالت شرف احتضان الجماهير الغاضبة، وكتبت بدمائهم تاريخ جديدا للعرب. حملت مدينة درعا بسوريا "شرف" انطلاق الثورة، واحتلت واجهة الأحداث لمدة طويلة، ورغم التعتيم الإعلامي تسربت مقاطع من أشرطة فيديو التي تكشف هول المواجهات مع الأمن والجيش..فكيف انبعثت درعا من الرماد لتسجل اسمها في مصاف العواصم الثائرة؟تعد درعا من أقدم المدن العربية، وتقع في جنوب سوريا بالقرب من الحدود الأردنية السورية في منطقة تدعى "الرمثا"، وعُرفت تاريخيا عاصمة لإقليم حوران الذي يمتد من جنوب سوريا إلى منطقة شمال الأردن، وتضم عدة مدن، مثل طفس ووازرع ووداعا والحراك وابطع.ومدينة درعا هي مركز محافظة تحمل الاسم نفسه، وتاريخيا كانت عاصمة إقليم حوران، وتعرف في التراث العربي باسم أذرعات.وتضم محافظة درعا عدة مدن منها نوى التي ينسب لها الإمام النووي، ومدينة بصرى التي تضم المسرح الروماني، ومدينة جاسم التي ولد فيها الشاعر أبو تمام، وفيها المسجد العمري الذي أمر ببنائه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ونهر اليرموك حيث جرت معركة اليرموك بين المسلمين والرومان.وتتميز درعا بتركيبتها القبلية والعشائرية التي مازالت متماسكة، والمرشحون فيها للانتخابات المحلية ترتبط حظوظ نجاحهم فيها بمقدار الحشد العشائري وعدد الناخبين في قبيلة المرشح.وتعتمد المحافظة في اقتصادها على الزراعة، إذ تتميز بسهولها الخصبة ووفرة مائها، وتشتهر بزراعة الخضراوات بشكل عام والزيتون بشكل خاص وفيها معاصر لاستخلاص الزيت.وتبلغ مساحتها أربعة آلاف كيلومتر مربع وعدد سكانها نحو مليون نسمة، والمسافة بين درعا والعاصمة دمشق 125 كيلومترا، ويربطهما طريقان أحدهما قديم يمر بمعظم القرى والبلدات الريفية وآخر دولي حديث.وابتدأت الثورة بدرعا يوم الجمعة 18 مارس الماضي، إذ نادت المظاهرات بالإصلاح السياسي والحرية والقضاء على الفساد والاعتقالات التعسفية، فتصدت لها قوات الأمن بقوة وقتلت أربعة متظاهرين بالرصاص، في اليوم الأول.وفي اليوم التالي أطلقت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود التي تجمعت في جنازة المتظاهرين. ثم قتل متظاهر خامس يوم الأحد 20 مارس الماضي، وأضرم المتظاهرون النار في مقر حزب البعث الحاكم وقصر العدالة وفرعين لشركتين للهاتف المحمول بالمدينة.وبلغت ذروة المواجهات حين حاصر الجيش المدينة، إذ أفاد شهود عيان لوكالات الأنباء العالمية بأن قصفا مدفعيا وإطلاقا للنار الكثيف شهدته درعا، وخلف عشرات القتلى والمصابين والمعتقلين، في حين تحدث آخرون عن حصار أمني غير مسبوق للمدينة.ودخلت قوات من الأمن والجيش معززة بدبابات ومدرعات درعا من أربعة محاور، وسط إطلاق نار كثيف عشوائي على الأحياء والمنازل، وأحكمت السيطرة على مداخل جامع أبي بكر الصديق ومسجد بلال الحبشي ومسجد المنصور، بالإضافة إلى مقبرة الشهداء.وخيم ظلام دامس على المدينة بعدما قطعت عنها السلطات الكهرباء والمياه وحاصرتها من كل مداخلها، وأسفر القصف عن عدد كبير من القتلى يصعب حصرهم، لأن هناك قناصة يتمركزون على عدة مبان ويطلقون النار على كل من يتحرك في الشارع ويمنعون سحب الجثث من الشوارع، ويمنعون حتى سيارات الإسعاف من الوصول إلى الجرحى الذين ينزف بعضهم حتى الموت.وأعلن رئيس المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان في سوريا عمار القربي، في تصريحاته لوسائل الإعلام، أن سكان درعا اكتشفوا خلال ساعتي رفع حظر التجول المفروض على المدينة قبرا جماعيا يحتوي عشرات الجثث من ضمنها جثث أطفال ونساء.وأفاد القربي أن القبر موجود في الجزء القديم من المدينة، وأن السلطات قامت فور الكشف عنه بتطويق المكان ومنع السكان من الاقتراب منه، في حين ذكر آخرون أن عشرين شخصا دفنوا في ذلك القبر، مع العلم أن المدينة الموصوفة بأنها مهد الاحتجاجات تعرضت للاقتحام من قبل وحدة عسكرية مدرعة بدعوى تطهيرها من بعض العناصر المسلحة، ثم أعلنت بدء الانسحاب التدريجي منها. خالد العطاوي