اهتمام الحاج بلعيد بالمرأة والحب يعتبر الفنان الرايس الحاج بلعيد من شعراء ورواد الأغنية الأمازيغية دون منازع، وينسب إليه تأسيسها، واعتبره البعض أباها الروحي وقيدومها، فهو شاعر ومبدع وموسيقي كبير وأحد الرموز التاريخية للمشهد الثقافي والغنائي والفني الأمازيغي عامة، والسوسي خاصة. كما اعتبره البعض الآخر فلتة من فلتات التاريخ، ربما لن يجود الزمان بمثلها ثانية، فهو فريد وغير قابل للتقليد، ما زالت مقطوعاته تتداول من جيل إلى آخر داخل الوطن وخارجه، خاصة بأوربا، إذ ما زلنا نرى في كثير من منازل أهل سوس صورة الحاج بلعيد بجانب صورة محمد الخامس تزين جدران بيوتهم. على غرار فناني الشعوب الأخرى، تغزل الشاعر الأمازيغي بالمرأة مع إضافة نوعية تخص فناني الأمازيغ إذا أخذنا بعين الاعتبار مكانة المرأة “تمغارت” في الثقافة الأمازيغية عامة والسوسية خاصة، المرأة التي ظلت دائما إلى جانب الرجل في الأفراح والأقراح، فللمرأة عند السوسيين مكانة كبيرة وتحظى باحترام لا مثيل له، فلا يقدر أحد أن تمتد يده إلى امرأة حتى يثور الناس من حوله. ولهذا الاعتبار، احتلت المرأة حيزا مهما في قصائد الشعراء الأمازيغ بشكل مباشر أو بطرق رمزية إيحائية، وحسب بعض الباحثين، احتلت هذه القصائد الرتبة الأولى من حيث مواضيع الشعر الأمازيغي لدى جميع الفنانين والمجموعات الغنائية، “يعتبر الغزل “تايري” إذن موضوعا مميزًا في الشعر الأمازيغي إذ نال ما لم تنله المواضيع الشعرية الأخرى من اهتمام”. يعتبر فن الغزل من الفنون الشعرية الأمازيغية التي يكثر فيها استعمال الرمزية، نظرا لما يحمله هذا الموضوع من معاني الحشمة وإشكالية البوح بمشاعر الحب علانية نظرا لانتشار فكر الممنوعات والمحرمات التي تشكل حاجزا أمام التعبير الصريح فيلتجئ الشاعر إلى التلميح، كما يشكل الوازع الديني أحد أهم الأسباب التي تدفع الشاعر إلى اللجوء للرمزية. فنجد “أتبير” رمزا للمحبوبة و”أزنكض” رمزا للمعشوقة الشاردة المستعصية الهاربة من قيود الحب، و”اكلالن” و”اودادن” و”تجداعين” كلها رموز استقاها الشاعر من الطبيعة، وبالتحديد من كائنات حية من حيوانات وطيور عرفت بالجمال والدلال والروعة. ومن معاني الحب أيضا في الشعر الأمازيغي “أيور” و”تافوكت” و”اتران” وهي رموز مستوحاة من الكواكب والنجوم، نظرا لما تحمله من نور وضياء وجمال. ونجد “أجيك أمليل” و”ليقامت” و”الغنباز” و”تالوزين” و”الورد” و”الحنا” من رموز الحب المستقاة من الطبيعة وعناصرها الرائعة.وعند الحاج بلعيد، نجده تناول موضوع المرأة وهو مكبل بثقافته البدوية التقليدية والدينية، إذ يشترط أن يبدأ بالبسملة أثناء الحديث عن موضوع المرأة والحب، كأنه يعتبر الموضوع مقدسا (ءوا بيسمي لاّه ئﮕا وين يان * ئران أيسلم ف ئكيلالن * ؤلا لحباب نّاد ئشرك يان * أﮔيﮕان د لخير ئﮕا وينْسْن). غير أنه لما تملك الحب “تايري” قلبه، أفدى نفسه للمحبوب وأصبحت رهنا له بحضور العدول الذين حرروا عقد بيع نفسه للحبيب. وقد تحدث الحاج بلعيد عن المرأة “زين” موجها سؤالا (مناوْ لحقوق أس نيت ئحتاج زِّين؟)، ويجيب عنه بأن هذه الحقوق ثلاثة: أولا أنه على المربي أن يصون عرضها ويحفظ شرفها وأن يربيها أحسن تربية، والحق الثاني يتجلى حسب الحاج بلعيد في أن تكون حياتها منظمة ومتقنة، أما الحق الثالث والأخير، فهو الحجاب، أي أن تتستر المرأة عن عيون عامة الناس. كما تحدث الحاج بلعيد عن الجمال وعبر عن وجهة نظره، وقال إن الجمال يزيغ عن الطريق ويجعل المتيم إنسانا ضائعا لا يعرف ما ذا يصنع. ومن صور حديثه عن الجمال والمرأة، خاطب في قصيدة خاتما جميلا بإصبع امرأة وقال إن هذا الخاتم يكتسي جماله ليس فقط من طبيعته المادية كحلي وإنما من خلال جمال واضعه، كما تمنى بلعيد أن يكون ذاك الخنجر الذي تتقلد به الحبيبة أو الكتاب الذي تقرأ فيه أو العطر الذي تتنسمه. وبناء على التجارب الشخصية التي راكمها الحاج بلعيد، قال إنه كلما رأى حماما/حبيبا بمفرده، تأكد أنه ضائع، إذ يحتاج الحمام إلى رعاية كبيرة، لا يمكن أن يسير في الأجواء بمفرده دون رفيق وإلا انقض عليه النسر/ الصياد. كما أقر الحاج بلعيد أن العلاقة بين الأحبة المبنية على الطمع مصيرها الفشل (لحوب ناغ ئباين طما، نان ؤراغ تماطالن). وفي قصيدة أخرى، نجد الحاج بلعيد يقدم النصيحة للباحثين عن الحبيب “أيِّيسْ”، ونصحهم أن يختاروه صغيرا.والملاحظ في جل قصائد الشعراء الأمازيغ عامة، ولدى الحاج بلعيد بالخصوص، أنه يتبين مخاطبة المحبوب بصيغ متكررة إما في شكل شكوى وتضرع أو في صيغة دعاء على هذا الحبيب، ويستمد التصوير الشعري مقوماته من البيئة البدوية المتصلة بالطبيعة بحكم أن أغلب الشعراء يعيشون في البوادي. فالشوق عند أحد الشعراء يذري قلبه كما تذري المقشة ندف الصوف. والشوق في تصور شعراء آخرين ضباب يغشي القلب ويعميه عن الرؤية كما يغشي الضباب قمم الجبال. وهذه الصورة تتردد كثيراً لدى الشاعر الأمازيغي إلى جانب صورة النار التي تلتهم الحطب والأشواك التي تحاصر الحقل. وعلى العموم، نجد الحاج بلعيد يؤمن بحقيقة الحب "تايري" (ئغ ئدا لحوب أرد ئغ ئملك يان * أماراتّْن ئداوا، ﮔُّوميغت)، وأضاف أنه إذا تملك الحب قلب شخص ما، فلا دواء له. ومن بين قصائده حول المرأة والحب والغزل نذكر: لجوهر، لعود لحمر، رارييد لعاقل، ءاديك ن ءيمي نترﮔا، ءاضبيب، ءور نسامح ءلمعلم، تاغجيجت، ءاييس أو لجام أمليل، تاﮔمرت، طالب، ءاتبير ءومليل. إبراهيم أكنفار (تيزنيت)