صنعاء تتمرد على زعيمها لا يكتمل المشهد في الثورات العربية إلا بتحديد الإطار المكاني، فسنة 2011 هي سنة "ثورية" بامتياز، بل من أكثر السنوات إثارة في تاريخ العصر الحديث، فجرها محمد البوعزيزي، فتطايرت دماؤه لتمتد إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا .. ومن منطقة سيدي بوزيد ابتدأت رحلة ساحات ومدن ثائرة تتحدى قمع الأنظمة وأسلحة الجيوش.. في الحلقات التالية قصص مدن وميادين نالت شرف احتضان الجماهير الغاضبة، وكتبت بدمائهم تاريخ جديدا للعرب. " صنعاء سارت بذكرها الركبان"، جملة تلخص حياة عاصمة اليمن التي استفاقت مثل فنيق ينبعث من رماده، واشتعلت شوارعها وساحاتها ثورة وتمردا على سلطة الرئيس علي صالح.صنعاء هي عاصمة الجمهورية اليمنية وهي أكبر مدينة بالبلاد، ومن أقدم المدن والتجمعات السكانية في اليمن والعالم، وهي تتميز بمنازلها الحجرية وطابعها المعماري المميز.وتقع صنعاء في وسط اليمن على هضبة بارتفاع 2200 متر عن سطح البحر، وتكتنفها سلسلة من الجبال أهمها جبلا نقم وعيبان، وتعرف بمناخها المعتدل معظم فصول السنة، وتحيط بها محافظات عمران من الشمال، وذمار من الجنوب، والجوف ومأرب من الشرق، والحديدة من الغرب، وتتوزع تضاريسها بين جبال وأحواض وقيعان ووديان تضم معظمها أراضي خصبة وحقولا ومدرجات خضراء.اختلفت المصادر في تحديد تاريخ نشأة صنعاء، لكنها أجمعت على أن المدينة كانت من أوائل التجمعات البشرية التي نشأت في العالم، إذ كانت عاصمة للعديد من الممالك القديمة على غرار سبأ وحمير وغيرهما.ويقول بعض المؤرخين إن صنعاء أو "المدينة المحصنة" أقدم منطقة مأهولة في شبه الجزيرة العربية، وتوالت عليها حضارات عديدة ما زالت بعض أطلالها ومعالمها ماثلة إلى اليوم، ومن أبرزها اليونانية والفارسية والرومانية والفينيقية وصولا إلى الحضارة العربية الإسلامية.وتعرف مدينة صنعاء بالعديد من الشواهد، على غرار سور المدينة التاريخي وقصر غمدان والجامع الكبير الذي بني في السنة السادسة للهجرة، إضافة إلى الأسواق الشعبية مثل سوق الملح والحمامات البخارية التي تعتبر من المكونات الأساسية للمدينة. ويبلغ عدد سكان صنعاء حوالي مليوني ساكن، حسب تقديرات سنة 2011، أي ما يقارب 9 في المائة من سكان اليمن. وأصبحت صنعاء منذ سنة 1990 عاصمة لليمن الموحد، وتتكون من 10 مديريات هي الوحدة والسبعين والصافية والتحرير والثورة وأزال وبني الحارث ومعين وصنعاء القديمة وشعوب. لكن لماذا تمردت صنعاء على رئيسها؟الجواب يتلخص في نسيم الثورة، إذ دخل المعتصمون من شباب ونساء وشيوخ في اعتصام بساحة التغيير اليمنية بعزيمة وإصرار على إسقاط النظام وبناء دولتهم التي يحلمون بها منذ وضعت أول خيمة في ثالث فبراير الماضي، إسوة بثورتي تونس ومصر، لكن الوضع في اليمن يختلف عن الثورتين، إذ جمعت فئات المجتمع كافة، وخلقت الألفة الاجتماعية بين القبائل المتصارعة، وتوقف "الثأر" الذي راح ضحيته الآلاف ولتكون الخيمة وطنا صغيرا لبناء دولة حديثة.احتل عشرات الآلاف اليمنيين بخيامهم في شوارع العاصمة، وتحولت إلى خريطة تمثل اليمن، بكل فئاته، ربما لا نجدها في ساحات أخرى بمدن يمنية بحكم أنها العاصمة، وأعلن الثوار مطالبهم التي تتلخص في "استمرار النضال السلمي لإسقاط مؤسسات النظام ورموزه، وفي المقدمة الرئيس وجميع أقاربه في المؤسسات العسكرية والمدنية والأمنية، وتشكيل مجلس انتقالي من شخصيات مدنية مستقلة مشهود لها بالنزاهة والكفاءة ويشارك فيه شباب الثورة، لإدارة فترة انتقالية لبناء الدولة واستبدال مؤسسات النظام وتشريعاته، ومحاكمة كل من له علاقة بجرائم القتل والعنف خلال مرحلة الثورة الشعبية والتي نفذت ضد نشطاء الحراك الجنوبي السلمي وجرائم حرب الإبادة في صعدة، ومحاكمة كل من يثبت تورطه في الفساد.دخلت حركة الاحتجاجات الشبابية والاعتصامات السلمية في اليمن شهرها الخامس، وسط حالة جدل في الشارع اليمني بشأن طول بقائها والنتائج التي حققتها، في وقت مازال فيه النظام اليمني قائما، والرئيس صالح لم يرحل بعد، رغم 4 أشهر من الهتافات التي تردد "ارحل" و"الشعب يريد إسقاط النظام".وانقسم اليمنيون في صنعاء بين فريقين، أحدهما يرى أن الاحتجاجات الشبابية السلمية، التي وإن كانت شهدت تظاهرة حاشدة في الثالث من فبراير الماضي، إلا أن ظهورها المستمر بدأ في الثاني عشر من الشهر نفسه، حققت حتى الآن أهدافا كثيرة، أهمها أن الرئيس صالح الذي تنتهي ولايته الرئاسية في سبتمبر 2013، وكان يُحضر لتعديلات دستورية تتيح له دورات رئاسية مفتوحة، ورتب على صعيد آخر لتوريث نجله "أحمد"، وجد نفسه مطالبا بالتنحي، والكثير من أركان نظامه السياسيين والعسكريين ينشقون عليه، وحلفاؤه الإقليميون والدوليون يبحثون ترتيبات نقل السلطة منه بطريقة سلسة وسلمية. أما الفريق الآخر فيقول إنه لا توجد "حالة ثورية" في اليمن، وإن حقيقة الوضع في اليمن مختلفة عن تونس ومصر. ومهما يكن فصنعاء سجلت صفحة جديدة في تاريخها. خالد العطاوي