الزبناء وقوانين سوق البغاء تغوص الكاتبة والصحافية المكسيكية ليديا كاتشو، في كتابها، «تهريب النساء»، في العالم المظلم لتجارة الجنس، لتظهر أن القوانين والمواثيق العالمية لم تتمكن من الوقوف في وجه ظاهرة استرقاق البشر، في شكلها المتمثل في الاستغلال الجنسي للنساء والفتيات الصغيرات، والتي أضحت تتخذ أشكالا أكثر تنظيما تشرف عليها «مافيات» منظمة، وتحظى، في أحيان كثيرة، بحماية السلطات الرسمية. ولأجل ذلك، جابت كاتشو ثلاث قارات في تحقيق دام خمس سنوات، استمعت خلاله إلى المهربين والضحايا اللواتي يتحول كثير منهن إلى مستغلات، والوسطاء والزبناء وأعضاء في المافيا والجسم العسكري والسلطات العامة، التي تتفشى في أوساطها الرشوة بشكل كبير، كما التقت أيضا ضحايا تمكن من الخروج من مستنقع الاستغلال الجنسي.تورد «الصباح» في هذه الحلقات مقتطفات من رحلة كاتشو، التي قادتها إلى تركيا وفلسطين وإسرائيل واليابان وكمبوديا وبيرمانيا والفييتنام والأرجنتين والمكسيك، واستقت منها أزيد من مائة شهادة صادمة في بعض الأحيان، تؤكد العلاقة ما بين غنى وسلطة المستغلين، والفقر والفروق الاجتماعية التي يعانيها الضحايا. عند وجودها في أحد النوادي الليلية رفقة أصدقاء، تقدم نادل النادي إلى طاولة الكاتبة ليديا كاتشو وقدم إليها قنينة من الشامبانيا مخبرا إياها أنها مقدمة من رجل يجلس في الطاولة المقابلة لها. رفضت كاتشو، كما تحكي في كتابها، العرض، رغم نصيحة النادل بقبوله، لأنه مقدم من رجل «لا أحد يرفض له طلبا». غادرت ليديا الطاولة ولحقها صاحب العرض، ليقدم لها عرضا أكبر وأخطر، يتمثل في تصفية الحاكم ماريو مارتن وكامل ناصيف، المتورطين، حسب كاتشو، في شبكات للاتجار بالنساء في الدعارة. رفضت كاتشو العرض مؤكدة أنها لا تؤمن بالعنف سبيلا لتحقيق الأهداف، حتى النبيلة.يشكل العرض مثالا على طريقة عمل شبكات التهريب بكل أنواعها. إذ، حسب باحث في علم الاجتماع، فإن المافيات تستخدم العنف وسيلة وليس غاية، كما تصور ذلك السلطات الأمنية منذ سنوات، التي تجعلنا نعتقد أن العنف هو مجال عمل المافيا الأساسي، بل إن المنتوج الذي تقدمه، بمستويات متباينة، هو «الحماية»، والعنف المستعمل بطرق مختلفة، ليس سوى وسيلة لتحقيق هذه الحماية، سواء بالنسبة إلى المهربين الذين يرغبون في تأمين مرافقة الفتيات المستقدمات من الخارج، من المطار إلى الحانة، أو مهربي المخدرات الذين يسعون إلى تمرير بضاعتهم بأمان من بلد إلى آخر، أو لمنتجي الأفلام البورنوغرافية الذين سئموا من ملاحقة شرطة الأنترنت الانجليزية...وغيرهم.وفي ما عدا «الياكوزا» في اليابان، فإن هذه المافيات لا تقوم بالإشراف المباشر على النشاطات المرتبطة بالجنس، بل إنها تسهر على حمايتها وتنويع مسالكها. وتظل هذه المافيات العائق الأساسي أمام عمل المنظمات المدنية التي تقدم يد العون لضحايا الاتجار بالبشر، لأنها تعتبر المستفيد الأكبر من استغلال البشر، ولأنها تتحرك بشكل فوري وفعال عقب توقيف إحدى العاملات في هذه الشبكات من طرف السلطات، كما أنها تقدم يد العون لمسيري دور الدعارة، وتعتبر السند الأساسي الذي يلجؤون إليه في حال أدلى الضحايا بشهادات قد تشكل خطرا عليهم. وتطلب هذه المافيات مبالغ مالية إضافية في حال طلب منها التدخل، ويتوفر بعضها، مثل الياكوزا، على مكاتب محامين متخصصة في تسديد كفالات لصالح الشركات المبهمة، مثل دور الدعارة والنوادي الليلية.في شوارع اليابان، لا يبدو مظهر مشاهدة رجال مقطوعي أصبع في الشارع يثير أي استغراب لدى اليابانيين، بل إنهم، أي رجال الياكوزا، يحظون باحترام وتقدير من طرف الجميع. ويعمد رجال الياكوزا إلى قطع أصبع يدهم الصغير «الخنصر» وتقديمه إلى رئيس الياكوزا تكفيرا عن خطأ ارتكبوه. ورغم تأكد ضلوع الياكوزا في عمليات استغلال النساء والأطفال في الدعارة، فإن السيطرة عليهم من طرف السلطات ظلت أمرا بعيدا، باعتبار أن المافيات المكلفة بحمايتهم تشكل جزءا من هيكل الدولة، ولأن القرن الواحد والعشرين يعرف ارتدادا على الحركات النسائية. فالعقلية الذكورية لم تختف تماما في بعض البلدان، بل اختفت وراء خطابات سياسية منمقة.يؤكد الكاتب فيكتور ملاريك أن شبكات المافيا غيرت في السنوات الأخيرة من طرق عملها، وفهمت أن عليها تطوير نفسها لإتباع الموجة. لذلك قام عدد من المهربين ووسطاء الدعارة حول العالم بتبني خطاب بعض التيارات النسائية والأكاديميين الذي يعتبر العمل الجنسي دليلا على الانفتاح الجنسي الحقيقي للنساء واندماجه في الاقتصاد الرأسمالي. لذلك، لم يعد من اللازم تخدير الضحايا أو ضربهن أو ترهيبهن، لكن يجب فقط إرساء ثقافة ذكورية مع إضفاء طابع متطور وأنيق عليها.وحسب مهربة من الفلبين، فإن الطريقة المثلى لإخضاع النساء تتمثل في تربيتهن داخل منظومة من العقاب والمكافأة، وتطبيعهن مع الاستغلال الجنسي لكي يبدو أمرا طبيعيا بالنسبة إليهن، من خلال عرض أفلام بورنوغرافية بصفة مستمرة، وإقناعهن بأنهن اخترن الدعارة وأن حياتهن ليست لها أية قيمة، وأن مصيرهن سيكون هو القتل في حال عدم احترامهن للقواعد.بالمقابل، يستند متبنو الرأي الداعي إلى منع الدعارة في العالم إلى الأساس الفلسفي الأساسي لمفهوم الحرية وقدرة النساء الحقيقية على اتخاذ قرارات في جو من الخضوع وعدم المساواة المتجذرة. وتشير الأرقام إلى أن حوالي 60 في المائة من العاهرات، ولجن هذا الميدان في عمر ما بين 15 و21 سنة، عقب وعود كاذبة أو تهديدات. ويجب التأكيد أيضا، على أن صناعة الاستغلال الجنسي التجاري غذت النقاش الفلسفي والثقافي والاقتصادي وحتى الديني، الدائر حاليا، كما أن المافيات أيضا ترغب في استمرار هذا الجدل ما بين المثقفين والنشطاء، والذي يجعل المهربين يستندون إليه في خطاباتهم من أجل شرعنة البغاء.صفاء النوينو