إنصاف الذاكرة من قمع الماضي أن تساهم في تعطيل بلدا ما خمسين سنة تلك مغامرة كبرى. ومخاطرة من نوع خاص. ترضي البعض وتغضب البعض الآخر. من معك ومن ضدك؟ ما هي مطبات “المؤخر”، خصوصا إذا كان مرتبطا بالسلطة؟ هل لتقرير الخمسينية الذي أشرف عليه الراحل مزيان بلفقيه علاقة بالموضوعية في التاريخ؟ وأي منهج تم اعتماده؟ كيف ينظر الفرقاء إلى خلاصاته؟ وهل خرج بخلاصات؟ هل من طبع المؤرخ أن يحسم في مواضيع لم تكن محسومة في الواقع؟أثار تقرير الخمسينية نقاشا وطنيا حقيقيا، وصل حد الجدل بين مختلف المكونات السياسية، إذ أكد عدد من المهتمين أنه لا يمكن فصل الجانب الاقتصادي عن السياسي، وأكد هؤلاء على أن الاقتصاد الوطني، خلال نصف قرن من الزمان، كان يعتمد بالأساس على القطاع الفلاحي، الذي يخضع لتقلبات المناخ، مما جعل وتيرة النمو تتراوح ما بين 3.8 و3.7 بالمائة، وهو ما لا يوازي نسبة النمو الديمغرافي خلال الحقبة نفسها، والتي وصلت إلى 2.5 بالمائة، بمعدل دخل فردي لا يتجاوز واحدا بالمائة، وأشار المراقبون إلى أن المغرب ورغم أنه اعتمد مجموعة من الآليات في مجال الاستثمار والتجارة الخارجية من أجل تحقيق التنمية، لم ينجح في ذلك بسبب اقتصاد الريع الذي ظل السمة الطاغية على الاقتصاد المغربي، وهو ما تمت إثارته خلال النقاشات التي أعقبت الإفراج عن تقرير الخمسينية.لقد تسبب اعتماد المغرب على اختيارات ماكرو اقتصادية وتحقيق التوازنات المالية، في التقليص من مناصب الشغل، وهو ما حد من إمكانية توسيع المداخيل وتنمية الاستهلاك، كما أن نجاح المغرب في الحفاظ على عجز الميزانية في مستوى مقبول، كان نتيجة سياسة الخوصصة التي تسارعت وتيرتها في السنوات الأخيرة.واعتبر كثير من المراقبين أن تقرير الخمسينية اغفل كثيرا من الجوانب، وحاول التعامل بشكل إيجابي مع التحولات التي عرفها المغرب، وهو ما اعتبروه في غير صالح المغرب، وقد لا يخدم المصلحة العامة، مشددين على أن الاقتصاد المغربي ظل يعتمد إلى حد بعيد على عائدات الجالية المغربية المقيمة بالخارج والسياحة وبعض الاستثمارات الأجنبية ببلادنا، والتي تأثرت في الفترة الأخيرة بالأزمة الاقتصادية العالمية، مما خلف نوعا من الهشاشة على المستوى الصناعي، وهي الهشاشة عوضت بنمو القطاع الفلاحي مستفيدا من انتظام التساقطات وتدخل الدولة في إطار المغرب الأخضر.وقالوا إن الاقتصاد الوطني لم يستند إلى رؤية مستقبلية، وهو ما أدى إلى نوع من التنمية العابرة، التي لا تخلق مناصب شغل، حيث يصل معدل طالبي العمل سنويا ما بين 400 ألف و450 ألف شخص، بسبب غياب العلاقة ما بين التكوين وعروض العمل، إلى جانب عدم قدرة المنظومة التنموية على خلق مناصب شغل موازية، مما جعل المغرب، يعرف عدة فوارق على مستويين، أولا: مستوى اجتماعي بسبب عدم القدرة على خلق طبقة وسطى بالمجتمع، والقادرة على توسيع قاعدة الاستهلاك.ثانيا مستوى مجالي، حيث إن ضعف الخدمات كالنقل والصحة والماء الصالح للشرب كلها عناصر كرست مقولة المغرب النافع والمغرب غير النافع.وأضافت المصادر أن المغرب عاش نوعا من الجمود الفكري، مما تسبب في ظهور طبقات ذات أولوية، استفادت من وسائل الإنتاج، ووفرت شروط الاستهلاك البعيد المدى، وهو ما أدى إلى ظهور مفارقات اجتماعية وصلت في كثير من الأحيان حد التنافر، بل وأدت إلى بروز ظاهرة العداء الطبقي، وهو ما لمسه المغاربة خلال الحراك السياسي الذي شهده المغرب منذ 20 فبراير الماضي.لقد فتح تقرير الخمسينية نقاشا عاما بين جميع مكونات المجتمع المغربي، ويعتبر هذا في حد ذاته مسألة إيجابية لا يمكن الاستهانة بها، بالنظر للمواضيع والقضايا المطروحة، التي يتم التداول فيها وتبادل الآراء حولها، والتكامل في الأفكار والمشاركة الجماعية البناءة بالاختلاف في التحاليل والتقييمات، خصوصا أن المرحلة الحالية حاسمة، فإما أنها سترهن مستقبل المغرب للوراء وبالتالي التراجع، أو ستفتح له آمال التفوق والتقدم والسير على طريق التنمية المستديمة، شريطة أن يتم وضع الإطار الملائم من أجل تدبير هذه المرحلة بكثير من الصرامة والجدية. تقرير الخمسينية هو شكل جديد من أشكال الإنصاف والمصالحة. إنصاف الذاكرة من قمع الماضي. والمصالحة مع تاريخ بقينا معه على خصام. خمسون سنة من الصراع والجدل دونها بلفقيه وفريقه. عبدالله الكوزي