جدل حول خطاب تاريخي 9 مارس تاريخ بين تاريخين. 9 مارس تاريخ ينسخ ما قبله ولن يكون مثل سابقه. 9 مارس يعلن رواية «دفنا الماضي». دفنا خمسين سنة من الصراع حول السلطة وبدأنا مرحلة اقتسام السلطة. شعب وأحزاب تطالب وملكية تستجيب. ومع ذلك فإنها تدور ويستمر الجدل. بين المعجب والرافض مسافة من الأمل والغضب. لقد شكل الخطاب الملكي ليوم 9 مارس منعطفا حاسما على المستوى السياسي المغربي، حيث فصل الخطاب السياسي إلى قسمين، هناك خطاب مع الطرح الملكي، وهم الملكيون، أو على الأقل المؤيدون لاستمرار النمط السياسي الحالي، وهناك الفئة الأخرى التي تطالب بملكية برلمانية، حيث الملك يسود ولا يحكم، وما بين الفئة الأولى والفئة الثانية كان الشارع هو الحكم.يبدو من الوهلة الأولى، أن خطاب 9 مارس شكل صدمة بالنسبة إلى الطرفين، فالأول رأى فيه أنه تهديد للملكية، ومحاولة لتقزيم سلطات الملك لمصلحة السياسيين، الذين يوصفون عادة بالبراغماتيين والميكيافيليين، وهذه الفئة وجدت في الخطاب ثورة على النمط السائد حيث العلاقة بين الملك والشعب ظلت دائما علاقة فوقية، يسودها المقدس، أما الفئة الثانية فوجدت في الخطاب الملكي مجرد وسيلة لخلط الأوراق، والعمل على تدبير المرحلة الحالية، حيث تم الإعلان عن إصلاحات دستورية شاملة، وهي الإصلاحات التي قالت هذه الفئة بشأنها، إنها لا ترقى إلى التطلعات، خصوصا أنها ظلت تطالب بدستور ديمقراطي شعبي، لا مكان فيه لسلطات الملك، وهذا ما يفسر استمرار الحراك السياسي الذي انطلق يوم 20 فبراير الماضي، بل أكثر من ذلك فقد تم تغيير المنهجية من خلال النزول إلى الأحياء الشعبية، وهي العملية التي ووجهت برفض شعبي عارم، كاد يتحول في بعض الأحيان إلى حرب بين الشباب الغاضب وعموم الشعب المغربي الذي تأكد أنه بعيد عن هذا الحراك السياسي، وأن كل همه الحصول على وظيفة وتوفير العيش الكريم.ولكن ماذا استفاد المغرب من هذا الجدل السياسي وكيف تم التعامل مع خطاب 9 مارس؟يمكن التأكيد على شيء أساسي، وهو أن الخطاب السياسي في المغرب تغير بشكل كبير بعد 9 مارس، حتى وإن كان هذا الخطاب تم التعامل معه كل حسب انتمائه وقناعاته السياسية، لكن المؤكد أن نوعا من الابتزاز السياسي كان حاضرا بقوة، وهو الابتزاز الذي مكن حزب العدالة والتنمية مثلا من الخروج إلى الشارع، أو على الأقل الدفع ببعض قياداته إلى الشارع، في محاولة لممارسة أسلوب العصا والجزرة، ولكن بشكل مقلوب، كما أن اليسار الراديكالي الذي وجد الفرصة مواتية من أجل التنفس خارج الماء، وضع أجندة سياسية لا محيذ عنها، وتتمحور حول دستور ديمقراطي شعبي، وذهب الحزب الذي دفع مئات الشباب إلى الشارع من أجل التظاهر إلى حد المطالبة بتقليص صلاحيات الملك، وهو حتى وإن لم يكن متأكدا من أن مطالبه ستلقى استجابة شعبية، فإنه مع ذلك استمر في مطالبه، ربما في محاولة لتكسير حالة الجمود التي ظل يعيش فيها لسنوات عديدة.والواضح أن الحراك السياسي الشعبي الذي عرفه المغرب، كان له كثير من الفوائد، أقلها أهمية، أن عدة تنظيمات سياسية، كشفت حقيقة انتمائها، وتحول بعضها إلى مجرد بوق يستعمل لخدمة أجندة هذا الطرف أو ذاك، في محاولة لتحقيق بعض المكاسب السياسية، لكن وفي خضم هذا الجدل، ظهر لاعب كان يمارس لسنوات السياسة من تحت الحجاب، قبل أن تتاح له فرصة مواتية من أجل تمرير خطابه السياسي، ودفع مناضليه إلى الشارع، ويتعلق الأمر هنا بجماعة العدل والإحسان، التي يمكن القول إنها أكثر الفاعلين السياسيين حضورا في الحراك السياسي الذي عرفه الشارع، بل إنها سعت إلى الركوب على حركة 20 فبراير ومحاولة الالتفاف عليها، بل واستغلالها من أجل لي ذراع الدولة، وهو الأمر الذي فشلت فيه الجماعة، بسبب تدخل شباب حركة 20 فبراير، وخاصة المنتمين إلى مجموعة من الأحزاب الذين تحركوا من أجل إفشال مخططات جماعة عبد السلام ياسين.لقد كشف خطاب 9 مارس توجها سياسيا جديدا، كما كشف مجموعة من الانتهازيين الذين وجدوا الفرصة مواتية لتحقيق عدد من المكاسب السياسية، ولو على حساب إرادة الشعب المغربي، الذي لا يمانع في دستور ديمقراطي حداثي، شريطة أن يتم ذلك في إطار دولة الحق والقانون واحترام المؤسسات. بين هؤلاء وأولئك يبقى الشعب الذي ينتظر التغيير الحقيقي من خلال نخب حقيقية. عبدالله الكوزي