رقص وغناء في ساحة صنعاء لا يكتمل المشهد في الثورات العربية إلا بتحديد الإطار المكاني، فسنة 2011 هي سنة «ثورية» بامتياز، بل من أكثر السنوات إثارة في تاريخ العصر الحديث، فجرها محمد البوعزيزي، فتطايرت دماؤه لتمتد إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا .. ومن منطقة سيدي بوزيد ابتدأت رحلة ساحات ومدن ثائرة تتحدى قمع الأنظمة وأسلحة الجيوش.. في الحلقات التالية قصص مدن وميادين نالت شرف احتضان الجماهير الغاضبة، وكتبت بدمائهم تاريخ جديدا للعرب. هناك أوجه شبه بين ميدان التحرير بمصر وساحة الحرية بصنعاء، لكن الأخيرة تتسم بالعناد والإصرار ما كلفها الدمار والهجوم وقتل عشرات المعتصمين الرافضين لنظام علي عبد الله صالح.تتلخص حياة اليمنيين، خلال الشهور القليلة الماضية، في ساحة الحرية بصنعاء، إذ تناقلت وسائل الإعلام الدولية مشاهد شباب يرددون أغاني وأناشيد حماسية ويرقصون على إيقاع شعارات "الشعب يريد إسقاط النظام".مساحة ساحة الحرية تبلغ حوالي 10 كيلومترات مربعة، استوطنتها جل شرائح المجتمع اليمني من كافة الأعمار، فهناك القبائل والطلاب والشباب والأكاديميون والمهندسون والمعلمون والعلماء والقضاة والمحامون والفنانون، والممثلون، والإعلاميون والجنود المنشقون، ليجعلوا من هذه المساحة منطقة تتنفس الحرية، كما يقولون.ونقلت جولة لصحافي من جريدة الشرق الأوسط اللندنية تفاصيل الحياة في ساحة الحرية، إذ عاين عشرات الآلاف من اليمنيين منتشرين في الشوارع الرئيسية للساحة التي تحولت إلى خريطة تمثل اليمن، بكل فئاته، ربما لا نجدها في ساحات أخرى بمدن يمنية بحكم أنها العاصمة، كما يقول الصحافي.الكثير من الخيام أصبحت صالونات ثقافية وصالات فنية تقام عليها الندوات وورشات سياسية، إضافة إلى تقديم الأغاني والأهازيج الشعبية والأشعار التي تتوحد في فكرتها الثورية، فهناك خيام للأكاديميين تقام فيها يوميا ندوات سياسية وتستضيف أساتذة الجامعات، إضافة إلى خيام للفنانين، تقيم سهرات فنية طيلة الليل، وأيضا للبرلمانيين، وخيام للمعلمين، والقضاة، والمحامين، والمهندسين، وخيام للقرى والمناطق اليمنية، والقبائل، وحتى البدو الرحل. غدت صنعاء لا تنام أبدا، فمنذ الساعة التاسعة صباحا وحتى الثانية عشرة ليلا تزدحم فعاليات الاعتصام، بين الأغاني والأهازيج والأناشيد الثورية إضافة إلى الندوات وورشات العمل، في حين تشهد خيام البدو والقبائل المتنوعة من مختلف المناطق، خاصة مأرب والجوف والبيضاء، سجالات شعبية، ليتنافس الجميع كل ليلة حول من يقدم أفضل الأهازيج، وهي أشعار شعبية مشهورة في اليمن تقدم بأسلوب جماعي وغنائي، إضافة إلى تقديم فقرات غنائية، مستخدمين الربابة أو العود.ورغم أن اليمن مجتمع محافظ فقد وجد الصحافي نفسه، في إحدى الخيام الثقافية النساء والرجال مجتمعين ليتحدثوا حول الأزمة التي يعيشها اليمن وأغلب الحاضرين فيها شخصيات نسائية حقوقية وأكاديمية وثقافية.ويتجمع العشرات في زاوية من الساحة سماها المعتصمون «جولة الشهداء»، إذ شهدت سقوط ضحايا برصاص الجيش الموالي للرئيس، وتقع وسطها مساحة تم تخصيصها لتقديم الزهور والورود وإشعال الشمع حول صور الشهداء، وغالبا ما يأتي الزوار كل ليلة لزيارتها والترحم على أرواح الضحايا.وأطلق المعتصمون على أغلب الخيام تسميات تعبر عن هدفها، فهناك خيمة الكرامة، وخيمة الرحيل، وخيمة الشجعان، وخيمة الأبطال، إضافة إلى مسميات للحركات الشبابية التي تم تشكيلها، فيما كثير من خيام القبائل تسمى بمناطقها، مثل خيمة بني حشيش، وخيمة مراد، وخيمة الحيمة، وخيمة همدان وغيرها.أما الإذاعة، التي تجتمع فيها قيادات الثورة الشبابية، فهي تبث أغاني وأناشيد لكبار الفنانين اليمنيين، مثل أيوب طارش وعلي الأنسي، إضافة إلى أغان شبابية تم إنتاجها في الثورة، ولا تخلو الأغاني من البوب والأغاني الشبابية وجميعها تطالب برحيل النظام. أما من الناحية التجارية، فقد تحولت ساحة الاعتصام إلى سوق تجارية فيها مختلف السلع والحاجات الضرورية للمعتصمين. خالد العطاوي