تعز حب الرئيس القاتل لا يكتمل المشهد في الثورات العربية إلا بتحديد الإطار المكاني، فسنة 2011 هي سنة «ثورية» بامتياز، بل من أكثر السنوات إثارة في تاريخ العصر الحديث، فجرها محمد البوعزيزي، فتطايرت دماؤه لتمتد إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا .. ومن منطقة سيدي بوزيد ابتدأت رحلة ساحات ومدن ثائرة تتحدى قمع الأنظمة وأسلحة الجيوش.. في الحلقات التالية قصص مدن وميادين نالت شرف احتضان الجماهير الغاضبة، وكتبت بدمائهم تاريخ جديدا للعرب. أشعلت الثورة المصرية نار الانتفاضة في اليمن، فهبت مدينة تعز إلى تنظيم مسيرات تطالب برحيل النظام، حتى أن اليمنيين أطلقوا على مدينتهم "إسكندرية اليمن» نظرا لأوجه الشبه بينهما وإصرارهما على إسقاط النظام.تخفي مدينة تعز حكايات كثيرة مع الثورة، إذ تأسست بها حركات شبابية آمنت بالثورة، ومنها «حركة الشعب يريد التغيير» و»تجمع شباب من أجل التغيير» و»حركة ارحل» و»حركة الشباب الشعبية بتعز" ، وهي حركات اقتدت بالثورة المصرية في الوسيلة بامتلاك زمام المبادرة في التغيير من خلال الإصرار على استمرار الاعتصامات حتى «النصر».واختار الشباب ساحة التغيير بتعز من أجل الاعتصام، وانتشرت خيام المعتصمين، معلنة تمسك الثوار بالبقاء أطول فترة ممكنة حتى يتحقق هدفهم المنشود «إسقاط النظام»، وبدأت الحركة الاحتجاجية تتحول من حركة طلابية إلى ثورة تقودها كتل تاريخية، تتكون من كل مكونات المجتمع، سواء الحديثة أو التقليدية، إذ التحق بها شباب القبائل، سواء من خلال تدشين حركة احتجاجية، أو من خلال الالتحاق بساحة الحرية في تعز.وسقطت ساحة التغيير في يد المعتصمين، إذ أغلقت الكثير من المؤسسات الرسمية ابتداء من مبنى المحافظة (العمالة) إلى مكاتب الوزارات. فكيف استسلمت المدينة إلى الثوار؟ وما قصة تعز مع النظام؟تجمع محافظة تعز بين إطلالتها على البحر الأحمر (مدينة المخا وذباب) وبين السهول والأودية الخضراء التي تتخلل الجبال الحجرية، وتعتبر المحافظة الثالثة في الكثافة السكانية (196 شخصا لكل كيلومتر مربع)، إذ قدر عدد سكانها سنة 2000 ب2.5 مليون نسمة، في حين تبلغ مساحتها 10.677 كيلومتر مربع.مدينة تعز، هي عاصمة المحافظة، وتمتد على تلال خضراء وسفح جبل يطلق عليه اسم «صبر»، ولعبت المدينة أدوارا عبر التاريخ اليمني، خاصة في العصر الإسلامي الأول، فحين عين رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا بن جبل واليا على اليمن حدد له مدينة الجند التي تعتبر اليوم ضاحية من ضواحي مدينة تعز، مقرا لولايته. كما كانت تعز العاصمة السياسية للدولة لمدة تزيد عن مائتي سنة.وعلاقة تعز بالرئيس اليمني، علي عبد الله صالح، ملتبسة وذات خصوصية، ففيها سطع نجمه حين رقاه الرئيس السابق، إبراهيم الحمدي، سنة 1975 من رتبة رائد إلى قائد للواء تعز ومعسكر خالد بن الوليد، فتفاجأ الجميع، سيما أن لواء تعز يعتبر أهم لواء جباية في عموم الجمهورية، وتبلغ عائدات الضرائب السنوية منه مئات الملايين.نجح اللواء علي عبد الله صالح في المهة، وتمكن من التماهي مع خصوصية المدينة، سيما أنها تقع على التماس مع ما كان يسمى مناطق التخريب التي تتمركز فيها أنشطة الجبهة الوطنية، علاوة على أنها مركز سياسي تتفاعل داخله أنشطة مختلف القوى السياسية الوطنية.وكشفت السنوات التي تلت تعيين اللواء عبد الله صالح السر، ففي سنة 1977 شنت «قوى تخريبية» هجوما كبيرا على منطقة «الحجرية»، وباشرت أعمال القتل والتدمير والاعتقال، فواجهها صالح بضراوة، وآزره في المعركة أخوه محمد وأبناء تعز، حينها حقق انتصارا كبيرا نتج عنه إطلاق سراح أكثر من 50 شخصا من كبار مشايخ ووجاهات ومثقفي تعز كانوا رهائن «المخربين»، حسب ما تذكر الوثائق الرسمية اليمنية.لم يعلن شباب ساحة التغيير بتعز بنية تنظيمية وقيادة واضحة، حتى لا يقوم النظام باحتوائها، الأمر الذي أربك الأخير في التعامل مع قوة الاعتصام، واستعانوا شبكة المعلومات الدولية الانترنت، في بناء تنظيمات افتراضية، على شكل جماعات على مواقع التواصل الاجتماعي... والنتيجة أن الساحة شهدت، إلى حد الآن، مواجهات خلفت عشرات القتلى. خالد العطاوي