القضاء الاستثنائي قوة الأمم تقاس بقوة قضائها. كثيرا ما يعرج المؤرخون على القضاء وأشكال تطبيقه، في بحوثهم حول في محاولة لفهم الأمم وتطورها، فالقضاء هو المرآة التي تعكس وجه الشعوب والتطور الذي حققته.ومع التطور التاريخي الذي شهده المغرب منذ قرون خلت، كان السؤال المطروح دائما هل كان يتمتع بقضاء منظم وفق معايير مضبوطة، أم أنه كان الاحتكام فقط إلى الأعراف والتقاليد، للفصل في النزاعات؟ هل كانت كل المناطق المغربية تحظى بوجود محاكم؟ وغيرها من الأسئلة التي نحاول من خلال هذه الحلقات إيجاد جواب لها بالحديث عن القضاء في المغرب، قبل عهد الحماية وأنواعه، ثم فترة الحماية وما حملته من تغيير للتنظيم القضائي بإحداث محاكم عصرية ومحاولة طمس بعض أنواع القضاء، وفترة الاستقلال. في إطار التغيير الذي شهده المشهد القضائي بعد الاستقلال، أحدثت محكمة العدل الخاصة بظهير 23 ماي 1957، مهمتها زجر الجرائم المرتكبة ضد الأمن الداخلي والخارجي للدولة، والجرائم والجنح المرتكبة من طرف الموظفين العموميين خلال مزاولتهم لمهامهم والأعمال المخالفة لمقتضيات ظهير 29 يونيو 1935 المتعلق بالإخلال بالأمن العام. وأسندت رئاستها إلى قاض أو محام أو أي رجل قانون يعين بظهير يؤازره أربعة مستشارين يتم اختيارهم بالقرعة من بين 24 عضوا بالمجلس الاستشاري، وكانت تسند النيابة العامة إلى أي شخص يعين بظهير باقتراح من وزير الداخلية بينما يقوم بمهمة التحقيق قضاة الهيأة القضائية يعينهم وزير العدل.في سنة 1972 في سياق الإصلاح القضائي إلى شهدت محكمة العدل الخاصة مراجعة حيث حددت المقتضيات الخاصة بها وتركيبتها واختصاصاتها ومكانها، إذ نص ظهير 6 أكتوبر على أن يعهد إليها طبق الشروط المنصوص عليها في الفصل 31 النظر دون غيرها من المحاكم الأخرى في الجرائم المحددة والمعاقب عليها بالفصل 32 وما يليه إلى غاية الفصل 39 بعده، وفي الجرائم التي لا يمكن فصلها عنها أو المرتبطة بها، وتنعقد المحكمة بالرباط، غير أنه يمكن لوزير العدل أن يأمر بموجب قرار بعقد جلسة واحدة أو عدة جلسات في مكان آخر، ويمكن أن تنقسم المحكمة بموجب قرار لوزير العدل إلى فروع إذا كان عدد القضايا يقتضي ذلك.وتتألف من رئيس وقاضيين ومستشارين وثلاثة مستشارين محلفين وقاض من النيابة العامة وكاتب للضبط، ويعين الرئيس بظهير شريف ويختار من بين القضاة الذين يبلغون الدرجة الثالثة أو يتجاوزونها. ومنذ ذلك الحين نظرت محكمة العدل الخاصة في أكثر من 1785 قضية، قدرت مبالغ الاختلاسات فيها بأكثر من 348 مليار درهم، واستمرت 38 سنة، لم يكل فيها الحقوقيون والقانونيون من المناداة بإلغائها باسطين تعليلاتهم النظرية والواقعية العملية.ورغم أن الهدف من إنشائها كان هو محاربة بعض الجرائم بخصوصيتها فإنها ظلت مثار انتقاد من قبل المختصين على اعتبار أنها مناقضة للدستور ولمبدأ المساواة أمام القانون ومبدأ فصل السلط، وللتوجه الدولي في إلغاء المحكمة الاستثنائية، وأنها لم تعد تشرف النظام القضائي المغربي بعدما دخلت البلاد في مسلسل مستمر من أجل بناء دولة الحق والقانون والحرص على احترام حقوق الإنسان.وفي يناير 2004 صادق المجلس الحكومي على مشروع قانون يتعلق بإلغاء محكمة العدل الخاصة، ونصت المادة الأولى من مشروع القانون على أن محاكم الاستئناف بالرباط والدار البيضاء وفاس ومكناس ومراكش ستختص بالنظر في الجنايات والقضايا التي كانت تحال على محكمة العدل الخاصة، من قبيل ما يتعلق بالجرائم المالية والاختلاس والارتشاء واستغلال النفوذ. ولم تكن محكمة العدل الخاصة تشكل لوحدها محكمة استثنائية، إذ بالنظر إلى الوضع الذي عاشه المغرب خلال الاستعمار أو بعد الاستقلال وفي إطار زجر الأعمال العنيفة، بعد واقعة مكناس التي تم فيها اختطاف طائرة القادة الجزائريين، تقرر إحداث محكمة عسكرية دائمة للقوات المسلحة مقرها بالرباط وتتكون في حالة السلم من قاض من محكمة الاستئناف رئيسا ومستشارين اثنين عسكريين للحكم في المخالفات والجنح، ومن قاض وأربعة مستشارين للحكم في الجنايات وتختلف درجة الرئيس والمستشارين حسب درجة الأضناء والصفة الجنائية أو الجنحية للجريمة، وتكون الأحكام الصادرة عن هذه المحكمة قابلة للنقض. كريمة مصلي