يخص التبليغ عن جرائم الرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ تنكب حاليا لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب على مناقشة مشروع قانون من الأهمية بمكان يستمد مرجعيته من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة (المادتان 24 و 25) واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (المادتان 32 و33) والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (القاعدة 87) ويهدف إلى تقديم المساعدة والحماية اللازمتين للضحايا والشهود والخبراء والمبلغين في الجرائم التي يحددها هذا النص وأفراد أسرهم أو أقاربهم، كلما توفرت أسباب جدية من شأنها أن تعرض حياتهم أو سلامتهم الجسدية أو مصالحهم الأساسية للخطر أو لضرر مادي أو معنوي. يتعلق الأمر بجرائم الرشوة واستغلال النفوذ والاختلاس والتبديد والغدر وغسل الأموال، والمس بأمن الدولة، والإرهاب والعصابات الإجرامية والقتل والتسميم، والاختطاف وأخذ الرهائن وتزييف أو تزوير النقود أو سندات القرض العام، والمخدرات والمؤثرات العقلية، أو الأسلحة والذخيرة والمتفجرات وحماية الصحة. ويسمح مشروع القانون لوكيل الملك أو للوكيل العام للملك أو لقاضي التحقيق كل في ما يخصه، تلقائيا أو بناء على طلب أن يتخذ واحدا أو أكثر من التدابير التالية:- تدابير خاصة بالضحية أو أفراد أسرته أو أقاربه: وضع رقم هاتفي خاص بالشرطة القضائية أو بالمصالح الأمنية رهن إشارة المعني بالأمر يمكن الاتصال به في أي وقت لطلب الحماية - توفير الحماية الجسدية من لدن القوة العمومية - العرض على أنظار طبيب متخصص، وتخصيص الرعاية الاجتماعية اللازمة عند الاقتضاء. - تدابير خاصة بالشهود والخبراء والمبلغين وأفراد أسرهم وأقاربهم. - الاستماع شخصيا إلى المعني بالأمر. - إخفاء هويته في المحاضر والوثائق التي تتعلق بالقضية المطلوب فيها شهادة الشاهد أو إفادة الخبير، للحيلولة دون التعرف على هويته الحقيقية. - عدم الإشارة إلى عنوانه الحقيقي ضمن المحاضر والوثائق التي تنجز في القضية، للحيلولة دون التعرف على عنوانه. - الاكتفاء بالإشارة في عنوان إقامة الشاهد أو الخبير إلى مقر الشرطة التي ثم فيها الاستماع إليه أو المحكمة المختصة إذا استدعى لأول مرة أمام قاضي التحقيق أو المحكمة. - وضع رقم هاتفي خاص بالشرطة القضائية رهن الإشارة. - إخضاع الهواتف التي يستخدمها الشاهد أو الخبير لرقابة السلطات المختصة بعد موافقة المعني بالأمر. - توفير حماية جسدية من طرف القوة العمومية. - اتخاذ أي تدبير إضافي يعتبر ضمانة فعلية لفائدة مستحق الحماية.ولا تحول كل هذه التدابير دون الاحتفاظ بالهوية الحقيقية للشاهد أو الخبير في ملف خاص يوضع رهن إشارة هيأة المحكمة لتطلع عليه وحدها عند الاقتضاء. - غير أنه إذا كان الكشف عن هوية الشخص ضروريا لممارسة حق الدفاع يجوز للمحكمة السماح بالكشف عن هويته بعد موافقته، إذا اعتبرت أن الشهادة أو الإفادة وسيلة الإثبات الوحيدة في القضية. ويفرض القانون في هذه الحالة توفير تدابير الحماية الكافية للمعني بالأمر. وتستمر تدابير الحماية المأمور بها حتى بعد صدور الحكم إن اقتضت الضرورة ذلك.ويتعرض المُبَلِّغْ بسوء نية عن وقائع غير صحيحة لإحدى العقوبات المنصوص عليها في الفصلين 369 و 370 من مجموعة القانون الجنائي تطبق أمام هيأة الحكم كل الإجراءات المتخذة لحماية الضحايا والشهود والخبراء والمبلغين.وإذا توفرت أسباب جدية تؤكدها دلائل على أن حضور الشاهد للإدلاء بشهادته أو مواجهته مع المتهم يمكن أن يكون فيه خطر عليه أو على أفراد أسرته أو أقاربه جاز للمحكمة بناء على ملتمس النيابة العامة أن تأذن بتلقي شهادته بعد إخفاء هويته من وراء ستار بشكل يحول دون التعرف على صورته، كما يمكنها الإذن باستعمال وسائل تقنية لتغيير الصوت أو وسائل الاتصال عن بعد. ويمكن أن نخلص إلى أن أهمية هذا المشروع تتجلى في ما يمكن أن يحدثه من تضارب بين مبدأين أساسيين أكدهما دستور فاتح يوليوز 2011.الأول نص عليه الفصل 21 بتأكيده على حق كل فرد في سلامة شخصه وأقربائه وتتضمنه كذلك المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. والثاني أورده الفصلان 23 و 120 اللذان يضمنان الحق في المحاكمة العادلة. فحماية الضحايا والشهود والخبراء والمبلغين، وأقربائهم، في بعض الجرائم التي لا تخفي خطورتها أصبح شيئا ضروريا إذا ما اعتبرنا أن الجريمة المنظمة قطعت أشواطا معتبرة في العولمة وتتوفر على وسائل علمية وتقنية ومادية تفوق حتى إمكانات بعض الدول، وإن جرائم الرشوة والفساد المالي متفشية وتنتشر بشكل مُروع.إلا أن ضرورة حماية الضحايا والشهود والخبراء والمخبرين وأقربائهم لا يمكن أن تصرفنا عن ضرورة احترام الحق في المحاكمة العادلة الذي تضمنه كذلك المواثيق الدولية وبالخصوص المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تؤكد بالإضافة على الحق في المحاكمة العلنية والمُنصفة.ويخشى أن تؤدي الإجراءات المنصوص عليها في هذا المشروع إلى حرمان المتهم من حق التجريح الذي يسمح به القانون بالنسبة إلى الشهود والخبراء، وأن يحرمه كذلك من حق المواجهة العلنية كحق أساسي من حقوق الدفاع. ونتمنى أن تساهم هذه القراءة المتواضعة في فتح نقاش واسع وبناء يشمل كل الهيئات والفعاليات الحقوقية لبلورة أراء وصيغ تزيح كل أوجه التعارض بين حقين أساسين من حقوق الإنسان. بقلم: محمد بن عبد الصادق: محام