مصراتة.. فاجعة الحصار لا يكتمل المشهد في الثورات العربية إلا بتحديد الإطار المكاني، فسنة 2011 هي سنة «ثورية» بامتياز، بل من أكثر السنوات إثارة في تاريخ العصر الحديث، فجرها محمد البوعزيزي، فتطايرت دماؤه لتمتد إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا .. ومن منطقة سيدي بوزيد ابتدأت رحلة ساحات ومدن ثائرة تتحدى قمع الأنظمة وأسلحة الجيوش.. في الحلقات التالية قصص مدن وميادين نالت شرف احتضان الجماهير الغاضبة، وكتبت بدمائهم تاريخ جديدا للعرب. لم تتوقف معاناة مدينة مصراته، فقد دفعت، مبكرا، ثمن الانعتاق من القبضة الحديدية للنظام الليبي وشهدت أحياؤها لأسابيع طويلة عمليات الكر والفر بين الثوار وكتائب القذافي، سقط إثرها عدد كبير من القتلى وتحولت أحياؤها إلى خراب بعد أن هجرها أهلها.تحتل مصراتة المرتبة الثالثة بين أهم المدن في ليبيا ومن حيث تعداد السكان بعد العاصمة طرابلس ومدينة بنغازي. وتبعد ب210 كيلومترا من طرابلس إلى الشرق، و825 كيلومترات من بنغازي إلى الغرب، في حين يقدر تعداد سكانها بنحو 390 ألف نسمة ويصل تعداد شعبية (إقليم) مصراتة 550 ألف نسمة وفقا لأحدث الإحصاءات. خصوصية مصراته تكمن في موقعها الجغرافي، إذ تقع المدينة على البحر المتوسط بين مدينتي طرابلس وسرت، وهي بمثابة الميناء التجاري للبلاد، ولها سمعة تجارية معروفة عبر القرون، كما يوجد بها مصنع للحديد والصلب الذي يعد من أكبر المصانع في ليبيا في إنتاج أنواع الحديد المختلفة والحديد الخام يرد مصنعها من المخزون الهائل الموجود داخل صحاري ليبيا.وتعود جذور مدينة مصراتة إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة، حسب مصادر تاريخية مختلفة التي ذكرت أيضا أن الفينيقيين أسسوا المدينة في الأجزاء الشمالية الغربية من الساحل الليبي قبل ألف سنة من ميلاد المسيح، وأشارت المصادر نفسها إلى أن الفينيقيين استخدموا مصراتة بعد ذلك باعتبارها واحدة من محطات تجارية أقاموها على امتداد شاطئ البحر المتوسط.ويعود اسم المدينة إلى قبيلة مسراتة وهي بطن من بطون بني اللهان من قبيلة هوارة.وجمعت مصراتة منذ القدم بين طبيعة سياحية جذابة ونشاط تجاري وصناعي مزدهر وفره لها موقعها الجغرافي المميز، وتتميز بسهولها الخضر التي تنتشر فوقها أشجار الزيتون ونخيل التمور بشكل كثيف، كما اشتهرت مصراتة باسم ذات الرمال بفضل كثبانها الرملية المرتفعة المتراكمة من عمليات المد البحري على مر آلاف السنين.ولعبت مصراتة في التاريخ دورا كبيرا في مقاومة المحتلين الإيطاليين الذين استهدفوها في بداية غزوهم لليبيا سنة 1911 بسبب موقعها الجغرافي المهم، وتمركز جماعات المقاومين الليبيين.ويعد رمضان السويحيلي أحد أبرز قادة النضال ضد الإيطاليين في مصراتة، الذي أسس فيها أيضا أول جمهورية عربية أطلق عليها أسم «الجمهورية الطرابلسية».ومثلت معارك «القرضابية» و»رأس الطوبة» و»شهداء الرميلة»، ثلاثا من أشهر المعارك التي جرت في مصراتة وكبد فيها الليبيون المستعمرين الإيطاليين خسائر فادحة. ولقبت مصراتة بذات الرمال لوجود حزام من الكثبان الرملية العالية المتكونة من عمليات المد البحري عبر آلاف السنين تمتد من شرقها حيث توجد قرية قصر أحمد، وبه ميناء شهير. كما تعد من المدن القابلة للتوسع والنمو العمراني، لما تتمتع به من مساحات واسعة، إضافة إلى انبساط الأرض وعدم وجود العوائق التي تحد من نموها، وفي المقابل فهي تعتبر من أفضل المدن الليبية تنظيما وتخطيطا.وخلال الثورة الأخيرة فقدت المدينة الكثير من معالمها، فمستشفى مصراتة المركزي لا يعمل، وتوزعت المهام الطبية على عدد من المراكز الصحية، أبرزها مجمع العيادات القريب من وسط المدينة، ليتحول إلى المستشفى الرئيسي في استقبال الحالات بعد اندلاع الانتفاضة. ولحقت خسائر فادحة بأهم شارعين في مصراتة، وهما شارعا طرابلس وبنغازي، حيث بلغت، حسب تقارير صحافية، خسائر شارع طرابلس 190 مليون دولار، وشارع بنغازي 150 مليون دولار، ووصل مجموع الخسائر العقارات والممتلكات والمرافق 830 مليون دولار، علما أنها تقديرات أولية فقط. ولا تشمل كل الخسائر التي لحقت بالمدينة، كل أحيائها ومبانيها، إنما توضح حجم الدمار الذي لحق بها وطبيعة الحرب التي تشنها كتائب القذافي، فبعد أن استعصى عليها اقتحام المدينة، تحاول أن تلحق أكبر ضرر ممكن في الأرواح والممتلكات بواسطة قذائف الهاون والمورتر ومدفعية الدبابات وغيرها. خالد العطاوي