خاص

بانوراما الصيف: ربع قرن من التعذيب (الحلقة الحادية عشرة)

فرحة بلقاء الحبيبة وحزن بفقدان الشقة والحساب البنكي

لماني : مجموعتنا تعتبر الأكثر تضررا في تاريخ الاختطاف

عبد الله لماني الكهربائي الذي اختطف من طرف عصابات بوليساريو أثناء سفره من البيضاء إلى طاطا هو من كشف وجود مدنيين مختطفين بالسجون الجزائرية، بعد أن سرب من داخل سجن الرابوني لائحة بأسماء وهوية 142 أسيرا مغربيا أعدموا من طرف المخابرات الجزائرية وخريطة مقبرة جماعية ل45 مغربيا ضمنهم عشرة مجهولي الهوية، لجمعية فرنسا الحريات التي ترأسها دانييل ميتران زوجة الرئيس الفرنسي السابق، ويتساءل عن مصير التقرير الفرنسي الذي أعاد جمعية فرنسا الحريات إلى صوابها، وأبرز لها حقائق ما يجري بسجون تندوف، وعن مصير مندوبة الجمعية عفيفي كرموس الفرنسية ذات الأصول التونسية، والتي دمعت عيناها عند رؤيتها جحيم تندوف، فقررت دعم الأسرى المغاربة، لكن اسمها اختفى واختفى معه  التقرير الصادم للسلطات الجزائرية الذي سبق أن نشر على موقع الجمعية الالكتروني.

من يتحمل مسؤولية اختطاف المدنيين من داخل التراب الوطني؟
منذ 1975 إلى حدود 2004، اختطفت عصابات بوليساريو حوالي 120 مدنيا مغربيا، بعد أن تسللت إلى المناطق المغربية غير المتنازع عليها، حسب التحديد الجغرافي والقانوني للأمم المتحدة. وفي اعتقادي أن الدولة المغربية تتحمل جزءا من مسؤولية هذا الفعل المشين لأنها لم توفر الأمن والحماية الكافيين لحدودها.
وعند أسرنا ظلت أسرنا مشردة، تتسول في الوقت الذي تصرف فيه مساعدات لأسر جزائرية ضحايا كوارث طبيعية، الدولة الجزائرية تعاملنا كأعداء،  ليست دولة شقيقة. ماضي ومستقبل المدنيين المختطفين سيظل وصمة عار في جبين كل مسؤول مغربي. مات حوالي ستة عشر مغربيا داخل السجون الجزائرية، و مات تسعة مفرج عنهم نتيجة أمراض مختلفة. ولا يزال واحد وتسعون منهم يصارعون الأمراض والفقر والتهميش بدون تغطية صحية ولا عناية .    
أين هي قدسية المواطن …المدنيون عانوا أكثر من 23 سنة بسبب جنسيتهم المغربية، ويمكن اعتبارهم المغاربة المدنيين الأكثر تضررا عبر تاريخ المغرب.  

عدت إلى منزل الأسرة فواجهتك أفراح وأحزان، زادت مأساتك، حدثنا في البداية عن الأفراح؟
كانت أول فرحة لي ولو أن شهية الفرح افتقدتها منذ عقود، عندما علمت أن الطفلة عائشة التي حملتها بين ذراعي لعدة سنوات، وكنت أخا وصديقا لها رغم أنها ولدت وعمري ثلاث عشرة سنة، لم تنس وعودا قطعناها بالارتباط حالما تسمح سنها، لم يثنها غيابي المفاجئ، واختفائي دون سابق إنذار، ولا علمها في ما بعد أنني اختطفت من طرف الكيان الوهمي للبوليساريو، ولم تفقد الأمل في أنني بعد شهر أو سنة…أو عمر طويل…عائد للاقتران بها.    
راسلتني هي ووالدها عندما كشف عنا الصليب الأحمر الدولي النقاب كباقي أسرى سجون  الذل والهوان، ولم تفصح لي عن وضعها… عازبة تنتظرني..أم أنها زوجة …أو أم تسأل عن حال أخ لها غدرت به السنون… أختي الصغيرة تزوجت وأنجبت… والدي توفي.. فظننت أن حبيبتي عائشة لم يعد قدرها بجواري..
جاءت عائشة ووالدها لزيارتي حيث كنت بمدينة اكادير، كما حلت أختي وبعدها أحد أقربائي الذي كشف لي قصة عائشة الغارقة في حب مختطف أسير… أكد لي أنها رفضت كل العرسان الذين تقدموا لخطبتها، وان كل سكان حي طوما يعلمون أن عائشة تنتظر عبد الله الكهربائي الذي خرج في إجازة عمل، ليحال على جحيم دام لمدة 23 سنة.
بكيت حينها وتألمت لما ألحقته بطفلة في مقتبل عمرها، ظلت تغازل الدهر لعله يقذف بي إليها. اختطفت وكانت هي في الثالثة عشرة من عمرها. وتزوجنا  صيف 2004 وعمرها  38 سنة وعمري 51 سنة. ورزقنا بعد  أحد عشر شهرا بيحيى، وبعد عامين برقية.   

وماذا عن الأحزان التي ظلت تلازمك؟
رغم كل ما قاسيت داخل سجون بوليساريو، ورغم برودة الاستقبال والتهميش التي واكبت عودتنا وإقامتنا في بلدنا، فان الغدر الذي تلقيته من أحد أقربائي وبعض الجهات الأخرى افقدني شهية الحياة، قبل اختطافي سنة 1980 كنت اشتريت شقة في حي بورنازيل (شريت الساروت وكنت أدفع الأقساط شهريا وفتحت حسابا بنكيا). الشقة توجد  
بالعمارة رقم  17 رقمها ثلاثة باء، ما إن تم اختطافي حتى ترامت جهات مجهولة على شقتي وسرقت كأمتعتي التي كانت بداخلها. مع العلم أنني مازلت احتفظ بالعقد  الخاص بالشقة.
ذهبت سنة 2004 إلى وكالة بنكية مصحوبا بدفتر شيكات كنت احتفظ به لدى أختي قبل اختطافي يوم 20 غشت 1980، لكنني فوجئت بكون حسابي بدون رصيد، وأنني قمت بسحب كل ما أملك به (حوالي ثلاثة ملايين سنتيم حينها) سنة 1982، فأطلعت موظف الوكالة أنني مختطف من قبل أن يسحب المبلغ بسنتين، وأنني لم يفرج عني إلا خلال سنة 2004. فنصحني برفع دعوة قضائية لاسترجاع أموالي. وكان أحد أقربائي اقترض مني أكثر من مليون سنتيم، إذ كان سيحج إلى بيت الله، وكان دفتر الشيكات لدى أختي، وقالت أختي إن قريبي طلبه من أجل إخراج النقود لها، وعند عودته بعد فترة طويلة قال إنه لم يجد شيئا في الحساب البنكي.   

ماذا عن المسار الذي اتخذه كتابك ليصل إلى النشر؟
أكد لي طبيب العيون الفرنسي الذي لن أنسى مبادرته الجريئة بتسريب الكتاب (مذكراتي)  خارج الجزائر، أنه اتصل بطبيبة تدعى نادية بناني طبيبة اختصاصية في جراحة العيون، كان تعرف عليها في إطار الجولات التي يقوم بها تحت لواء منظمة ايس أو ايس الفرنسية التي كان يرأسها، التقى بناني  بالأقاليم الجنوبية، وأطلعها على ملفي، فاهتمت بالموضوع، وسلمها الكتاب، فسلمته بدورها إلى التي أشكرها جزيل الشكر على حسن نيتها، وأمها كانت تعمل موظفة سابقة في منظمة الأمم المتحدة، ولا أعرف كيف أصبح الكتاب بيد المحامي محمد زيان الذي كنت أجهل كل شيء عنه وعن حزبه.

أجرى الحوار: بوشعيب حمراوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق