خاص

بانوراما الصيف: أرقام لها مغزى 2

قصة جدل لا معنى له

ينص الفصل 19 من الدستور على أن «الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها، وهو حامي حمى الدين والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيآت. وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة». لماذا أثار هذا الفصل كل هذا الجدل؟ لماذا قبله البعض ورفضه آخرون؟ وأين تكمن تطبيقاته السلبية كما يعتقد البعض؟
بداية لابد من الإشارة إلى أن الفصل 19 تم تطبيقه مرتين في عهد الملك الراحل الحسن الثاني بشكل سلبي، الأولى يوم قرر الاتحاد الاشتراكي الخروج من البرلمان فقال الملك سوف أستغل صفتي أميرا للمؤمنين، وأعلن أنهم جماعة مارقة، والثانية عند حدوث الفراغ التشريعي سنة 1983.
أما في عهد الملك محمد السادس فقد تم استعماله مرتين بشكل إيجابي، المرة الأولى من أجل إصدار الظهير المحدث للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، والثانية لتجاوز الفتنة التي أحدثتها الخطة الوطنية لتنمية المرأة لصاحبها سعيد السعدي، التي كادت تؤدي إلى مواجهة بين التيار الإسلامي والعلماني، فتدخل الملك بصفته أمير المؤمنين ليعلن حقه في الاجتهاد الديني فولدت مدونة الأسرة التي تعتبر ثورة اجتماعية.
يراه البعض دستورا داخل الدستور، وهو الفصل الذي لا يكل العديد من السياسيين من المطالبة بإلغائه أو تعديله، بينما يسعى العلمانيون إلى حذفه يسعى الإسلاميون إلى الإبقاء عليه لكن بشرط اقتسام سلطته مع الملك.
جاء في كتاب (النظام الدستوري المغربي لقلوش مصطفى)  “أن المغرب يعتبر البلد الوحيد الذي احتفظ لرئيس الدولة بأحد الألقاب التي أطلقت على متولي سدة الإمامة العظمى من أجل ربط الماضي بالحاضر. والهدف الواضح من الإبقاء على لقب أمير المؤمنين الذي أطلق على الملوك المغاربة عن جدارة واستحقاق ابتداء من الدولة الموحدية وإلى أن تم تكريسه دستوريا، هو إلزام الملك باعتباره أميرا للمؤمنين بالاستمرار في القيام بواجباته المتعلقة بالشؤون الدينية، إذ يتوجب عليه أن يسهر على حماية الشريعة وإقامة شعائر الدين، أوعلى حد تعبير الماوردي:»حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نجم مبتدع أوزاغ ذو شبهة عنه أوضح له الحجة وبين له الصواب وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروسا من خلل والأمة ممنوعة من زلل»
فالفصل 19 ليس هو ما يعتقده البعض دستور داخل دستور أوهو دستور بنفسه،لا ، فالفصل 19 مجرد احتياط دستوري يوظف لمواجهة كل الاحتمالات (الفراغ التشريعي، حالة الاستثناء، حالة الحصار، حالة الحرب، حالات التحكيم، حالات التأويل…) أما في الظروف العادية فإن النظام الدستوري المغربي يشتغل بعيدا كل البعد عن تأثيرات هذا الفصل.
وإلى جانب تدخلات الملك التي تحدثنا عنها سابقا فقد تم تطبيقه قانونيا أربع مرات لإصدار أربع ظهائر ويتعلق الأمر ب:
الظهير الشريف رقم 1.84.7 الصادر بتاريخ يناير 1984 بمثابة قانون يتعلق باتخاذ تدابير مالية في انتظار إصدار قانون المالية لسنة 1948.
– الظهير الشريف رقم 1.83.287 الصادر بتاريخ 14 أكتوبر 1983 المتعلق بممارسة السلطة التشريعية.
– الظهير الشريف رقم 1.84.54 الصادر بتاريخ 27 أبريل1984 بمثابة قانون المالية لسنة 1984.
– الظهير الشريف رقم 1.94.297 الصادر بتاريخ 24 نوفمبر 1994 المتعلق بالمجلس الاستشاري لمتابعة الحوار الاجتماعي.
فصل آثار كل هذا الجدل لم يتم استعماله خلال خمسين سنة سوى أربع مرات تدخلا من الملك وأربع مرات لإصدار ظهائر. يوحي هذا بأن النقاش حوله ليس منطقيا لكنه سياسي.
قصة الفصل 19 غريبة. وأغرب منها ألا يكون الملك الحسن الثاني هو من اقترحها. قلائل هم من يعرفون أن المرحوم عبد الكريم الخطيب، أحد مؤسسي حزب الحركة الشعبية ثم الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية سلف حزب العدالة والتنمية، هو من اقترح على الحسن الثاني ترسيم لقب أمير المؤمنين المتوارث عبر أجيال الملوك المغاربة دستوريا.
وعندما يكون الخطيب هو الذي يقف وراء قصة الفصل 19، فإن لذلك مدلولاته القوية. فالرجل كان ملكيا أكثر من الملك. لكن ليس كما يفعل بعض المتملقين. فهو الذي عارض حالة الاستثناء وهو الذي قال للملك الحسن الثاني إذا أصبحت أنت بدورك ضد الملكية فسوف أحاربك.
الفصل 19 هو خصوصية النظام السياسي المغربي. مهما تقع داخله من تحولات يبقى هو الثابت.

عبدالله الكوزي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق