خاص

بانوراما الصيف: القذافي… نيرون ليبيا (الحلقة الثانية)

القذافي… قائد “ثورة الفاتح العظيم”

الموساد يصف مساعدة “العقيد” في الانقلاب على الملكية في ليبيا بالمقامرة الكبرى

هو حاكم لا يشبه غيره من الحكام العرب، رغم أن القاسم المشترك بينهم يكاد يكون واحدا، هو كثير من تسلط وجبروت، وتاريخ مليء بالدم وفترة حكم طويلة عنوانها الظلم، وشعارها، الطغيان أولا وأخيرا.

وإذا كان قدر الشعوب العربية أن يحكمها الجبابرة، فإن قدر الشعب الليبي كان أشد قسوة، لأنه ظل، ولمدة حوالي 42 سنة، يحاول العيش تحت سطوة حاكم طاغية جبار، ومجنون مريض، اسمه القذافي.
لا يعتبر القذافي نفسه حاكما عاديا. إنه ليس رئيس دولة، ولا هو بملك. إنه “القائد”، “ملك ملوك إفريقيا”، صاحب أطول فترة حكم عرفتها ليبيا منذ أن أصبحت ولاية عثمانية سنة1551، وأقدم حاكم على وجه الأرض.
وحتى في عز “الربيع العربي”، ظل القذافي يشكل الاستثناء. صحيح أنه تمسك بالكرسي بشكل غريب مثلما تمسك به، إلى آخر قطرة دم، جميع من سبقه من الرؤساء العرب المخلوعين والهاربين، إلا أن “صموده” أمام ثورة الشعب كان له شكل خاص جدا.
تمسك القذافي بكرسي الحكم كان مسرحية من نوع الكوميديا السوداء، أضحكت العالم حد البكاء. وفي عز الحرب التي شنها على أبناء شعبه، “زنكة زنكة”، لم يكن الرئيس الليبي يتوانى عن إلقاء خطاباته المثيرة للدهشة والسخرية حد الغثيان، التي كان العالم العربي يتابعها بكثير من الشغف، وينتظرها بغير قليل من اللهفة، حتى يستمتع بآخر “قفشات” صاحب الكتاب الأخضر، الذي فاق حسه الكوميدي العفوي، موهبة أكبر زعماء الإضحاك في العالم كله.
اليوم، يختبئ القذافي في مكان ما من “الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى”، هاربا من قصف قوات “الناتو”، متوعدا الغرب بهزيمة نكراء، في وقت يتنبأ فيه الكثير من المراقبين والمحللين الدوليين بسقوطه خلال مدة وجيزة.
من خلال هذه الحلقات، نستعرض محطات مهمة من حياة العقيد وبعض أفراد أسرته، ونقدم للقراء “بورتريها” مطولا عن حاكم غير عاد، اسمه معمر القذافي… “نيرون” ليبيا.

عرف عن معمر القذافي، منذ أيام الدراسة، تأثره الكبير بالزعيم جمال عبد الناصر الذي قاد الثورة في مصر ضد الملكية. وأدت ميولاته الثورية ونشاطاته السياسية المبكرة إلى طرده من المدرسة في سبها ومن ولاية فزان كلها، ليسافر إلى مصراتة ويشكل في ما بعد، سنة 1964، حركة الضباط الوحدويين الأحرار داخل الجيش الليبي.
صدر المنشور السري الأول لهذه الحركة في يناير 1969، ثم حددت قيادة الحركة شهر مارس موعدا للقيام بالانقلاب العسكري والإطاحة بالحكم الملكي، غير أنه تأجل إلى شهر غشت من السنة نفسها ثم إلى فاتح شتنبر، إذ استغل الثوار سفر ملك البلاد، محمد إدريس السنوسي إلى تركيا من أجل العلاج، وزحفوا على مدينة بنغازي وحاصروا القصر الملكي ليستولوا على السلطة رسميا بعد تنازل ولي العهد آنذاك عن العرش، ومن تم أصبح القذافي، وعمره آنذاك لا يتجاوز ثلاثين سنة، قائد ثورة الفاتح العظيم ولقب نفسه ب “العقيد” وأطلق على نظام حكمه اسم “الجماهيرية” التي ترتكز على شعارات “الحرية” و”الاشتراكية” و”الوحدة”. وظل القذافي يشغل منذ ذلك الوقت منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، إضافة إلى منصب رئيس مجلس قيادة الثورة من 1969 إلى 1977.
ومنذ تسلمه السلطة في ليبيا، ظهر تحمسه للقومية والوحدة العربية، وحاول إعلانها في البداية مع الجارة تونس على غرار الاندماج الذي وقع بين مصر وسوريا في عهد عبد الناصر، لكن جميع محاولاته كان مصيرها الفشل، ما جعله يراهن على الوحدة الإفريقية بدل العربية، ومن هنا جاءت تسميته “ملك ملوك إفريقيا”.
وتقول الروايات إن ثورة القذافي لم تكن لتنجح لولا مساعدة اليهود له، إذ بعد أن أنهى دراسته في الكلية الحربية وتخرج منها ضابطا في سلاح المخابرة، أرسل إلى بريطانيا عام 1966 في دورة تدريبية في مدرسة فنية بمدينة أولدارشوت، حيث تم تجنيده وتدريبه. كما جاء في كتاب «أوراق الموساد المفقودة»، المثير للجدل، أن «اليهود هم الذين أرسلوا القذافي إلى بريطانيا وهم الذين كانوا وراء الانقلاب الذي قام به مع الضباط الوحدويين. وجاء فيه «كانت خطتنا في البداية تقتضي إجراء الترتيبات اللازمة للقذافي للذهاب إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث توجد لدينا ترتيبات واتصالات من الدرجة الأولى في برامج تدريب الجيش الأمريكي، غير أننا اضطررنا إلى إلغاء تلك الخطة بعد أن اكتشفنا بأن المخابرات الأمريكية تلجأ إلى أساليب ينقصها الكثير من البراعة في سبيل استقطاب وتجنيد هؤلاء الطلبة الأجانب من جانبها، لذا قررنا تغيير وجهة التدريب صوب انجلترا».
وتحدث الكتاب نفسه عن المساعدات الكبيرة التي قدمها اليهود الصهاينة للقذافي من أجل إنجاح انقلابه على الملكية في ليبيا. وجاء في مقتطف منه «لقد أحطنا القذافي علما كذلك بما ينبغي عليه أن يتوقعه من جانبنا، وبالمقابل ما نريده نحن منه، وكيف أنه في الوقت المناسب سوف يزود من قبلنا ببرنامج ومخطط لكيفية سيطرته على زمام الحكم في البلاد، وكيف أن هذا المخطط يحتوي على أسماء لأشخاص يمكنه أن يثق بهم وأن يعتمد عليهم، وكذلك فقد قدمنا له النصائح والتوجيهات بشأن التوقيت الذي ينبغي أن يتحرك فيه، وأهداف التحرك ومصادر التمويل، وحتى التأييد المادي إذا ومتى احتاجه…».
كما جاء في كتاب «أوراق الموساد المفقودة»، الذي ترجمه إلياس توفيق وراجعه زياد يوسف، «كانت مساعدتنا للقذافي بمثابة مقامرة كبرى، لكنها كانت ذات فوائد عظيمة لنا. لقد كان من بين أهم ما جنيناه من وراء وقفتنا خلفه، هذه الصراعات والنزاعات التي نجح القذافي في خلقها، والعداوات التي أشعلها بين الدول العربية المختلفة».

نورا الفواري


اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق