خاص

بانوراما الصيف: ساحات التحرير – (الحلقة الرابعة) –

ميدان التحرير..  متحف الثورة

يشبه تصميمه ميدان شارل ديغول بباريس

لا يكتمل المشهد في الثورات العربية إلا بتحديد الإطار المكاني، فسنة 2011 سنة “ثورية” بامتياز، بل من أكثر السنوات إثارة في تاريخ العصر الحديث، فجرها محمد البوعزيزي، فتطايرت دماؤه لتمتد إلى مصر وليبيا  واليمن وسوريا .. ومن منطقة سيدي

بوزيد ابتدأت رحلة ساحات ومدن ثائرة تتحدى قمع الأنظمة  وأسلحة الجيوش.. في الحلقات التالية قصص مدن وميادين نالت شرف احتضان  الجماهير الغاضبة، وكتبت بدمائهم تاريخ جديدا للعرب.

لو تحدث مصري عن رمزية ميدان التحرير لألف كتبا حوله، وتسابق المبدعون لتعداد دوره في الثورة، فهو مثل حضن أم دافئ احتضن الثوار وطرد رئيسا قويا عجزت كل الأحزاب عن قهره.
ميدان التحرير، أكبر ميادين مدينة القاهرة في  مصر، وسمي في بداية إنشائه ميدان الإسماعيلية، نسبة إلى الخديوي إسماعيل، ثم تغير الاسم إلى “ميدان التحرير”، نسبة إلى التحرر من الاستعمار في ثورة 1919 ثم ترسخ الاسم رسميا في ثورة 23 يوليوز سنة 1952.
ويحاكي الميدان في تصميمه ميدان شارل ديغول الذي يحوي قوس النصر في العاصمة الفرنسية ويرمز إلى حرية الشعوب وصمودها، إذ شهد عدة مواجهات بين المحتجين والقوات الأمنية منها أحداث ثورة الخبز سنة 1977، ومنها أيضا الثورة الأخيرة التي انتهت بإسقاط النظام الحاكم للرئيس محمد حسني مبارك، فأصبح الميدان رمزا للمتظاهرين وصمودهم وحريتهم.
ومع أن ميدان التحرير أكبر ميادين القاهرة، ورغم أهميته، فإنه لا يعد أهمها على الإطلاق، إذ يسبقه من حيث الأهمية ميدان رمسيس لوجود محطة القطار به ووجود الموقف الأكثر اتساعا في العاصمة وكذلك لتفرع وسائل المواصلات منه، كذلك يأتي ميدان العتبة في الأهمية قبل ميدان التحرير، وذلك لأن الأخير المركز التجاري الأول في القاهرة.
ويكشف تسلسل أحداث الثورة المصرية عن الدور الذي قام به ميدان التحرير في إنجاحها، إذ احتشد ملايين المصريين في ميدان التحرير في يوم 25 يناير االماضي يطالبون بتنحي الرئيس السابق محمد حسني مبارك من رئاسة الجمهورية، واتخذوا الميدان مقرا لثورتهم إلى أن أعلن نائب الرئيس في بيان رسمي تخلي الرئيس عن منصبه في مساء الجمعة 11 فبراير الماضي، وتولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شؤون البلاد مؤقتا لمدة ستة أشهر إلى حين إتمام انتخابات مجلسي الشعب والشورى، وانتخابات رئاسة الجمهورية.
وطالب المصريون في ميدان التحرير بتنحي الرئيس لتزايد الفقر والبطالة وفساد الشرطة وسرقة بعض رجال الأعمال الفاسدين لثروات البلد وتهريبها للخارج، مما أدى إلى تدهور الأحوال الاقتصادية لمصر، وتزوير الانتخابات الأخيره لمجلسي الشعب والشورى والمطالبة بحرية الصحافة والاعلام، رافضين فكرة توريث الحكم لجمال مبارك، نجل الرئيس السابق، الذي عين في محاولة لتهدئة الشعب عمر سليمان، نائبا لرئيس الجمهورية للمرة الأولى منذ ثلاثين سنة، وكلف أحمد شفيق بتشكيل وزارة جديدة خلفا لوزارة أحمد نظيف وتم اعلان الوزارة الجديدة، لكن الملايين ظلوا في أماكنهم عدة أيام رافضين خطابات الرئيس الموجهة إلى الشعب وما اتخذه من إجراءات، بل أيضا رفضوا الشخصيات المعينة، واعتبروا أن شرعية حكمه انتهت وأصروا على تنحيه.
وشهد الميدان اشتباكات مع رجال الأمن، مما نتجت عنه مئات القتلى وآلاف الجرحى من المصريين واضطر الحاكم العسكري أن يأمر الجيش بالنزول إلي شوارع القاهرة والمدن الكبرى لفض النزاع الدموي بين المتظاهرين والشرطة وفرض حظر التجول، ورحب المتظاهرون جدا بنزول الجيش.
وتزايدت نسبة المتظاهرين في الميدان وبنوا مخيمات للمبيت فيها، معلنين تمسكهم بمطالبهم حتى الرمق الأخير من حياتهم. وأجمع المتتبعون على أن الثورة المصرية  لم يسبق لها مثيل، فهي ثورة شعبية بلا أهداف سياسية وقامت بهدف المطالبة بالإصلاح الداخلي وشهد العالم على نقاء هذه الثورة، إذ لم تقع اي احداث تحرش بين الشباب والاناث الموجودين بميدان التحرير، ولم تحدث أي جرائم سرقة واعتداءات بين الناس باستثناء دخول “البلطجية”، لكن الشباب المعتصمين قاوموهم وطردوهم وشكلوا لجانا شعبية للحراسة وحماية الأرواح والممتلكات في ميدان التحرير وشوارع القاهرة.
وفي سابقة من نوعها نظف الثوار الميدان بعد تنحي الرئيس السابق، إذ أذاعت محطات الأخبار مشاهد عديدة قام خلالها الشباب والأطفال وكبار السن بتنظيف الميدان، ربما من مخلفات نظام سابق.

خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق