خاص

بانوراما الصيف: القضاء في تاريخ المغرب

محاكم الأجانب وحق الطعن -الحلقة السادسة-

قوة الأمم تقاس بقوة قضائها. كثيرا ما يعرج المؤرخون على القضاء وأشكال تطبيقه، في بحوثهم حول في محاولة لفهم الأمم وتطورها، فالقضاء هو المرآة التي تعكس وجه الشعوب والتطور الذي حققته.
ومع التطور التاريخي الذي شهده المغرب منذ قرون خلت، كان السؤال المطروح دائما هل كان يتمتع بقضاء منظم وفق معايير

مضبوطة، أم أنه كان الاحتكام فقط إلى الأعراف والتقاليد، للفصل في النزاعات؟ هل كانت كل المناطق المغربية تحظى بوجود محاكم؟ وغيرها من الأسئلة التي نحاول من خلال هذه الحلقات إيجاد جواب لها بالحديث عن القضاء في المغرب، قبل عهد الحماية وأنواعه، ثم فترة الحماية وما حملته من تغيير للتنظيم القضائي بإحداث محاكم عصرية ومحاولة طمس بعض أنواع القضاء، وفترة الاستقلال.

بعد تقسيم المغرب إلى منطقة الشمال والجنوب وجعل الشمال تحت وصاية إسبانيا، أقر الاتفاق الموقع بين فرنسا واسبانيا على إنشاء نظامين قضائيين مقتبسين من تشريعاتهما بمنطقة نفوذهما، وهو ما نص عليه ظهير فاتح يونيو من سنة 1914 بشأن المحاكم الاسبانية، إذ أكد في المادة الأولى منه أنه تنشأ للنظر في جميع الدعاوى المتعلقة بالشؤون المدنية والتجارية والجنائية التي يتخاصم فيها الإسبان ورعايا ومحميو إسبانيا في المنطقة المغربية الواقعة تحت الحماية الإسبانية محاكم صلحية، ومحاكم ابتدائية ومحكمة استئناف، ولها النظر في الشؤون الجنائية، كل حسب دائرة اختصاصها في الجرائم التي يرتكبها الرعايا المغاربة، الذين لا يتمتعون بحماية أجنبية ضد الإسبانيين أو المحميين الإسبانيين، وضد أبناء أو محميي بقية الأمم الأوربية، وكل التي يرتكبها هؤلاء الرعايا كلما تداخل في الأمر إسبانيون أو محميون إسبانيون بصفة فاعلين أو مشاركين بالفعل أو مسهلين له، وتنظر كذلك في الجرائم التي يرتكبها الرعايا المغاربة الذين لا ينتمون إلى حماية أجنبية أو التي ترتكب بمشاركتهم داخل المحل الذي يتعاطى فيه أحد القضاة أو أعضاء محكمة الاستئناف مهام وظيفته، أو إذا ارتكبت ضد أعضاء محكمة الاستئناف أو القضاة أو المستشارين أو مساعدين المحاكم أثناء قيامهم بالمهام المسندة إليهم، أو إذا ارتكبت ضد تنفيذ أي من الأحكام الصادرة عن المحاكم الإسبانية.
وكان الرعايا المغاربة الذين لا ينتمون إلى حماية أجنبية مجبرون على الحضور أمام المحاكم الاسبانية المنشأة في منطقة حماية اسبانيا كلما استدعوا للحضور وفقا لقوانين تلك الدولة أو للمراسيم التي تصدر في هذا الصدد، وعليهم أن يخضعوا لتنفيذ العقوبات التي تفرضها عليهم هذه المحاكم.  في حين أن القضاء الإداري لم يكن معروفا في تلك الفترة، إذ
كان القضاء الإداري بالمغرب محدودا جدا، وهذا طبيعي في نظر المهتمين على اعتبار أن هدف المستعمر وقتئذ، كان هو بسط أطماعه في الشمال كما في الجنوب، وانتزاع الحقوق من المغاربة والحد من حرياتهم بدلا من حفظها وصيانتها، وأن الحماية الفرنسية بدلا  من أن تطور النظام القضائي بالمغرب في إطار إقرار مبدأ ازدواجية القضاء الذي ترسخ لديها منذ سنة 1872، بإنشائها لمجلس الدولة، فضلت أن تطبق على المغرب في تلك الفترة، التنظيم القضائي نفسه الذي اختارته من قبل لتونس بمقتضى مرسوم 27 نونبر 1988، وهو تنظيم مطابق  من حيث المعنى والمبنى للتنظيم القضائي بالمغرب الصادر بتاريخ  12 غشت 1913، الذي جاء خدمة لمصلحة المستعمر بالدرجة الأولى،  ذلك أن الحماية أنشأت بجانب المحاكم الشرعية والمحاكم العبرية، محاكم عصرية كان يطلق عليها اسم “المحاكم الفرنسية” التي كانت تختص بتطبيق القوانين الصادرة عن الحماية نفسها.
ولا يمكن تصور وجود قضاء إداري عادل في تلك الفترة، وقد نص الفصل الثامن من الظهير المتعلق بالتنظيم القضائي المشار إليه آنفا، بأن المحاكم العصرية هي المختصة وحدها بالنظر في «جميع الدعاوى التي ترمي إلى تقرير مديونية الإدارات العمومية سواء بسبب تنفيذ العقود المبرمة من جانبها، أو بسبب الأشغال التي أمرت بها، أو بسبب أي عمل من جانبها ألحق ضررا بالغير». لذا فإن هذه المحاكم لم تكن بسبب الشطط في استعمال السلطة، وإنما كان هذا الاختصاص موكولا إلى مجلس الدولة بفرنسا، وبما أن المغرب لم يكون يتوفر وقتئذ على محكمة نقض خاصة به، فإنه لم يكن في إمكان المغاربة الطعن في الأحكام الصادرة عن محاكم الاستئناف، ولكن على العكس، فإن الإدارة كان في إمكانها الطعن ضد هذه الأحكام أمام محكمة النقض الفرنسية، ولكن أمام احتجاج بعض الموظفين الفرنسيين المقيمين بالمغرب في تلك الفترة، سمحت الحماية الفرنسية لهؤلاء، وطبقا لظهير فاتح شتنبر 1928، التقدم بدعوى الإلغاء من أجل الشطط في استعمال السلطة ضد القرارات الإدارية الخاصة بهم أمام مجلس الدولة الفرنسي، في حين لم يكن المواطنون المغاربة يتمتعون بهذا الحق.

كريمة مصلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق