أحشوش: سامحيني أمي... سأنال الشهادة أخبر والدته بقرب تنفيذه عملية انتحارية ببغداد وبعد ثلاثة أيام تلقت خبر نعيه من إرهابي عراقي شباب وكهول، هاجروا للقتال تحت لواء القاعدة، قبل أن يسحقوا تحت القصف الأمريكي في أدغال “تورا بورا”، أو يذهبوا أكباش فداء في عمليات انتحارية، أو يعتقلوا أحياء، ويزج بهم في معتقل كوبا الشهير “غوانتانامو”، حيث قضوا سنوات، قبل تسليمهم إلى السلطات المغربية التي قررت محاكمتهم. منهم من أدين، ومنهم من تمت تبرئته. في هذه السلسلة، يتابع قراء “الصباح”، عبر حلقات، مجموعة من الأحداث والوقائع المثيرة التي يحفل بها مشوار “مغاربة القاعدة”. كان كتوما وشديد الانعزال، ولا تفصح تصرفاته ولا ملامحه عما يدور بخلده من نوايا إرهابية، لذلك لم يكن أحد من عائلته يعلم بخبر توجهه إلى العراق بغرض «الاستشهاد»، بمن فيهم أقرب المقربين منه، وهم والدته، التي اتصل بها عشية تنفيذه عملية انتحارية وفاجأها بشكل صادم ملتمسا منها "المسامحة"، وزوجته سناء، الشابة ذات الاثنين والعشرين ربيعا، وشقيقاه إسماعيل وعبد الواحد، ووالده المتقاعد، محمد.جمال أحشوش، منفذ أحد أكثر العمليات الانتحارية تدميرا للمنشآت وإيقاعا بالأرواح، والذي لم يكن عمره يتجاوز 25 سنة، اختفى عن الأنظار، دون أن يعلم أحد من أفراد عائلته مصيره، ولا سبب تغيبه، قبل أن يربط الاتصال بهم في منزل الأسرة بمدينة تطوان، ويخبرهم بأنه "سيقدم على الاستشهاد"، وأنه انضم إلى تنظيم القاعدة في العراق.لم تصدق الوالدة المسكينة ما سمعته أذناها، واعتقدت أنها مزحة مرة من ابنها الذي اختفى منذ حوالي ثلاثة شهور دون سابق إنذار، فحاولت استدراجه إلى الحديث أكثر، لكنه قطع الخط، دون أن يضيف كلمة واحدة.بعد حوالي ثلاثة أيام تلقت مكالمة هاتفية، وكان اسم ابنها يظهر على الشاشة، فشعرت بسعادة كبيرة، واعتقدت أن فلذة كبدها جمال هو الذي يتصل بها، لكن صوتا آخر، غريبا عنها، هو الذي كان يخاطبها، لتدرك أنه صديق لابنها ويتحدث معها في تلك اللحظة من هاتفه المحمول الخاص به، فجزعت كثيرا، وأصاخت بأذنيها، متوقعة سماع الأسوأ.اتضح أن الشخص الذي يخاطبها عبر هاتف ابنها غير مغربي، وذلك من خلال لهجته، واضطراره إلى استعمال اللغة العربية في التواصل معها، لكن الأهم كان عندها هو معرفة مصير ابنها، ليتأكد لها أنه نفذ عملية انتحارية في العراق، وأنه "استشهد" بتعبير مخاطبها، في سبيل الله. وزاد المتصل قائلا "عليكم بالصبر والإيمان.. ابنكما مات شهيدا، والشهيد يشفع لسبعين من عائلته، وكفاه دخولكما، يا أماه، معه إلى الجنة". وردد "الشيخ"، الذي أفصح لها عن هويته، في نهاية المكالمة، وقال لها إن اسمه "أبو زيد العراقي"، عبارات أخرى كلها كانت تسعى إلى إطفاء نار اللوعة والأسى التي اشتعلت في وجدان الأم المكلومة بذهاب ابنها ضحية معتقدات خاطئة لا تمت إلى الإسلام السمح بصلة، بل تسيء إلى سمعته، وترسم لدى الأجانب صورة قاتمة عن الإسلام والمسلمين.كانت الصدمة كبيرة على الوالدة، وزادت أكثر بعد استجواب شقيقه، واعتقال عدد من رفاقه في الدرب، المعروف ب"المزواق" بمدينة تطوان. واتضح للأم، بعد فوات الأوان، أن ابنها تشبع بالفكر الجهادي السلفي، وكان يخطط، منذ شهور عديدة، للسفر إلى العراق أو أفغانستان للقتال إلى جانب تنظيم القاعدة ضد الولايات المتحدة الأمريكية وقوات التحالف، دون أن يظهر عليه ما يوحي بانضمامه إلى تنظيم إرهابي.حارت الأم في ما ينبغي فعله، وتوجهت نحو سفارة العراق واستفسرت مسؤولين في وزارة الخارجية المغربية بالرباط، لكن عبثا، فلا أحد كان يتوفر على معلومات في الموضوع، ليتضح أن قوات التحالف كانت تتستر على هويات الانتحاريين، إلى حين إشعار البيت الأبيض لاتخاذ القرار المناسب. وبعد مرور أسابيع، توصلت بخبر مقتل ابنها في عملية انتحارية في العراق، دون أن تنظر النظرة الأخيرة إلى جثته، لأنها، ببساطة، تحولت إلى أشلاء يعجز أي كان عن جمعها. محمد البودالي