شارع بورقيبة.. ملتقى النخب مسيرة مليونية أمام مقر وزارة الداخلية المطل على الشارع لا يكتمل المشهد في الثورات العربية إلا بتحديد الإطار المكاني، فسنة 2011 هي سنة «ثورية» بامتياز، بل من أكثر السنوات إثارة في تاريخ العصر الحديث، فجرها محمد البوعزيزي، فتطايرت دماؤه لتمتد إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا .. ومن منطقة سيدي بوزيد ابتدأت رحلة ساحات ومدن ثائرة تتحدى قمع الأنظمة وأسلحة الجيوش.. في الحلقات التالية قصص مدن وميادين نالت شرف احتضان الجماهير الغاضبة، وكتبت بدمائهم تاريخ جديدا للعرب. استقطب شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة التونسية أنظار العالم، فالشارع نجح في خلع الرئيس السابق زين العابدين بن علي بعد أن اندلعت شرارة الثورة من مدينة سيدي بوزيد، ولأول مرة تجرأ المتظاهرون على الاعتصام به، سيما أمام مقر وزارة الداخلية، في وقت كان المرور بجانبه، قبل ذلك، يثير الهلع والخوف، فما تفاصيل الحياة بالشارع الشهير؟أطلق على أهم شوارع الجمهورية التونسية شارع الحبيب بورقيبة نسبة إلى الرئيس الأسبق للجمهورية، وحمل الشارع، في عهد الحماية الفرنسية، اسم شارع «البحرية»، ثم من سنة 1900 حتى الاستقلال شارع «جول فيري».وتلتقي في شارع بورقيبة العديد من الشوارع الرئيسية، مثل روما والجزائر العاصمة وباريس ثم مرسيليا والقاهرة ومحمد الخامس، وشارع جمال عبد الناصر واليونان وشارع قرطاج وابن خلدون.وحسب بعض الكتاب التونسيين، فقد جرت العادة، في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة، أن تقع تسمية الشارع الرئيسي في كل مدينة من المدن التونسية باسمه، لكن بعد إزاحته عن الحكم سنة 1987، وقع تغيير أسماء البعض من تلك الشوارع. وتحمل الشوارع الرئيسية الكبرى الآن في مدخل أغلب المدن اسم شارع البيئة، فيما احتفظ الشارع الرئيسي في العاصمة بالاسم نفسه.ويعد شارع الحبيب بورقيبة القلب النابض للعاصمة التونسية وملتقى نخبة البلاد من مفكرين وسياسيين وفنانين وغيرهم، تجمعهم المقاهي المنتشرة على الأرصفة العريضة لهذا الشارع الذي تتوقف فيه حركة السير طيلة اليوم.ولعب الشارع دورا محوريا في الثورة التونسية، فقبل أيام من إحراق البوعزيزي نفسه بسيدي بوزيد كانت الحركة عادية في الشارع، لكن فجأة، انقلبت الأوضاع رأسا على عقب، عندما تجمهر التونسيون في مسيرة وصفت بالمليونية أمام مقر وزارة الداخلية المطل على الشارع، وانتهت إلى هروب رئيسهم السابق زين العابدين بن علي.ويحكي التونسيون أن التجمهر في الشاعر جسد تحديا للنظام القائم آنذاك، إذ كان شارع الحبيب بورقيبة المعقل الرئيسي لهذه التحركات في العاصمة، ثم بعد عملية الهروب عادت الحركة التجارية إلى عادتها، إذ فتحت المقاهي والمطاعم والمحلات التجارية أبوابها، إضافة إلى عودة الموظفين بشكل شبه كلي إلى مكاتبهم وأعمالهم رغم أن الأجواء ظلت مشحونة في البلاد بسبب الانفلات الأمني وتصاعد عمليات النهب والسطو وترويع الأهالي من قبل مليشيات قيل إنها تابعة للرئيس المخلوع. انتعش الشارع الرئيسي بعد الثورة، فجسد، حسب كتاب تونسيين، حركية شعب تواق إلى حرية حرم منها عشرات السنين، فكلما تتقدم بالشارع تجد نفسك أمام حشد من الناس يستمعون إلى من نصب نفسه خطيبا عليهم يستقرئ الأوضاع السياسية التي تمر بها البلاد ويحرضهم بأعلى ما جادت به حنجرته على مواصلة الثورة ودحر من سماهم «فلول النظام السابق»، وخطيب آخر كان يدعو الناس إلى «القطع مع كل ما له صلة بالماضي الذي كرس الفساد ومظاهر الكفر في البلاد والعمل على بناء دولة تحكمها الشريعة الإسلامية والسنة النبوية وتعيد تونس إلى محيطها العربي المسلم»... إنه «هايد بارك» كبير.وشهد الشارع بعض الأحداث التاريخية، إذ توجه منه المتظاهرون إلى مقر حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم سابقا، وتجمهروا بالآلاف أمام بنايته الشاهقة منادين بإزالة شعار الحزب من على واجهة البناية، وهو ما تم فعلا تحت تصفيق الناس وزغاريد النسوة أمام أنظار الشرطة المنتشرة بكثافة على أرصفة الشارع، وقوات الجيش المرابطة بمحيط وزارة الداخلية على العربات المدرعة والدبابات التي وضعت عليها أكاليل من الورود، وكان وجودها فرصة لالتقاط صور للذكرى، حينها استعاد الشارع نكتهه التي افتقدها عقودا. خالد العطاوي