القضاء العرفي قانون القبيلة الأول قوة الأمم تقاس بقوة قضائها. كثيرا ما يعرج المؤرخون على القضاء وأشكال تطبيقه، في بحوثهم حول في محاولة لفهم الأمم وتطورها، فالقضاء هو المرآة التي تعكس وجه الشعوب والتطور الذي حققته.ومع التطور التاريخي الذي شهده المغرب منذ قرون خلت، كان السؤال المطروح دائما هل كان يتمتع بقضاء منظم وفق معايير مضبوطة، أم أنه كان الاحتكام فقط إلى الأعراف والتقاليد، للفصل في النزاعات؟ هل كانت كل المناطق المغربية تحظى بوجود محاكم؟ وغيرها من الأسئلة التي نحاول من خلال هذه الحلقات إيجاد جواب لها بالحديث عن القضاء في المغرب، قبل عهد الحماية وأنواعه، ثم فترة الحماية وما حملته من تغيير للتنظيم القضائي بإحداث محاكم عصرية ومحاولة طمس بعض أنواع القضاء، وفترة الاستقلال. لم يكن القضاء العرفي بالبوادي المغربية، اختيارا بقدر ما هو ضرورة، بل إن تطبيقه ناتج عن سوء التنظيم القضائي في فترة ما قبل الحماية ، وضعف الهيكلة الإدارية التي كانت منعدمة في بعض القبائل، فكل ما تم الابتعاد عن المراكز الحضرية. والقضاء العرفي هو تنفيذ نوع من الضبط الاجتماعي داخل المجتمع الذي يحكمه شيخ القبيلة ومعاونوه، وربط علاقة مجتمع القبيلة بالقبائل المجاورة والبعيدة، بموجب عقود شفاهية أو مدونة لتنظيم علاقة السلطة بمجتمعها الداخلي والخارجي تنظيما يخضع إلي اتفاقات تحالفية وقانونية عرفية.وتعرف جل البوادي المغربية النمط نفسه للتركيبة التي تبدأ من الدوار وتكون مجموعة من الدواوير ما يعرف بالفخذة ثم القبيلة، ثم الجماعة وتسير من قبل الحكام، وتتكون جماعة الدوار من رؤساء العائلات، أما الفخذة، فتتكون من 15 إلى 40 عضوا، وذلك كان يطلق عليها أيت أربعين، يقع اختيارهم من رؤساء القبائل، حسب معايير محددة تقتضي الشجاعة في القتال والسعة المالية والسطوة السياسية، كما يشترط أن يكون المرشح من أبناء القبيلة القدامى، ويعين العضو مدى الحياة. ومن أبجديات التقاضي بالجماعة أن هذه الأخيرة تعين شيخا أو ما يسمى عند بعضهم «أمغار» الذي يمارس مهام القاضي والرئيس وعون التنفيذ لمدة سنة واحدة، ويلقب بالشيخ العام واختصاصاته تهم جميع الميادين التشريعية والسياسية والإدارية والاجتماعية، وتمتد في حالات معينة بصفة مباشرة أو غير مباشرة إلى القضاء، إذ تنظر الجماعة في القضايا التي تهمها بالفصل في النزاعات التي تهم النظام العام والتوفيق بين المصالح المتضاربة وتدبير الممتلكات، وفي ما يخص القبائل الرحل، فإن المنطقة التي تستقر بها يتم تنظيم طريقة الانتجاع والنزاعات المحتملة الوقوع.وتسند في إطار القضاء العرفي مهمة الفصل في النزاعات إلى أمغار أو «الأناشام» الذي يعينه الخصمان، خاصة البسيطة منها، ويعمد إلى تطبيق العقد، إلا أنه إذا تعلق الأمر بجنح أو جنايات خطيرة تستوجب عقوبتها الإعدام أو النفي تتولى الجماعة الحسم فيها، إذ تصبح في مثل هذه الحالات محكمة جنائية. ويطبق أمغار الأحكام بدقة ويعمل على إخبار الجماعة بالإجراءات التي اتخذها، أما الاناشام، فيطبق في القضايا غير الزجرية العرف المتكون من القواعد التي أقرت الجماعة العمل بها، وتصبح موروث القبيلة الذي يتوجب الالتزام بتطبيقه، ويرى المهتمون أن البعد عن الحاضرة يساهم في اعتماد القضاء العرفي بكثرة في البوادي، حتى أصبح عندهم بمثابة قانون تعطى له الأولوية في حل النزاعات القائمة بين أفرادها. ويبقى للقضاء العرفي في المغرب ميزته بتنوع القبائل، التي كانت تحتمي به أكثر من أي شيء آخر، في إطار تطبيق نظرية أن أهل مكة أدرى بشعابها وشعاب القبيلة يعيها جيدا حكامها الذين يتولون مهمة الدفاع عن مصالحها وتحقيق العدالة. كريمة مصلي