ماري ستيوارت... نصبت ملكة وعمرها تسعة أشهر منذ فجر التاريخ والمرأة تسعى إلى إثبات نفسها في مراكز الرجال، وعلى رأسها عروش الحكم، إلا أنه كما أتاح لها هذا الطموح ارتشاف حلاوة السلطة والشهرة والجاه، كان لزاما عليها أيضا أن تتجرع مرارة القتل من أجل الحفاظ عليه لينتهي بها الأمر في بعض الأحيان إلى قاتلة أو مقتولة أو الاثنين معا .هذه الحلقات تعرض لملكات قمن بشؤون دولهن أحسن ما يقوم به الملوك العظام، بل إن منهن من قدن الجيوش وخضن معمعات المعارك والحروب واستعملن من سعة الحيلة وضروب الخداع ما يقصر عن إتيانه كبار الساسة والدهاة من الرجال، ويروي الحيل التي لجأن إليها أحيانا والمغامرات العاطفية لبعضهن. الحظ المفروش بالشوك كان عقداً جوهرياً احتوى عنق طفلة اسكتلاندية تُعد حفيدة هنري السابع ملك انجلترا تدعى ماري ستيوارت، قالوا عنها منكودة الحظ منذ ولادتها، فبعد مولدها ببضعة أيام، توفي والدها.ابتسم لها الحظ وهي في عمر تسعة أشهر، ففي يوم مشرق جميل حُملت الطفلة ووضعت على كرسي ذهبي، تقدم أحدهم يضع التاج على جبينها الصغير، ثم وضع أمامها سيفا صغيرا يتناسب مع يديها الصغيرتين، كانت تلك الطقوس الملكية تجري حول الطفلة، وهي لا تدري أنها أصبحت ملكة عظيمة على عرش اسكوتلاندة. حاصرها كبار رجال الدولة يركعون أمامها احتراما.وعندما أكملت سن الخامسة، أثقلوا كاهلها بالأعباء السياسية، وطرق باب قلبها أول رجل طلب خطبتها وهو ولي عهد فرنسا الذي توّج بعدها ملكاً باسم فرنسيس الثاني، وعندما بلغت سن السادسة أرسلت ماري لفرنسا لتتلقى العلوم هناك، وكانت ترافقها في رحلتها أربع فتيات من الطبقة الرفيعة في سنها يحملن جميعاً اسم ماري، ولذلك لُقبن باسم "ماريات الملكة" .تزوجت الجميلة ماريعن سن السادس عشرة خطيبها، ولي العهد فرنسيس البالغ من العمر سن الخامسة عشرة في حفلات ضخمة، لكن سرعان ما تحول اللون الوردي المفرح في حياة ماري إلى لون أسود قاتم .بدأت رياح الحزن تهب وتعصف على فرنسا فقرعت أجراس الكنائس حزناً على وفاة ملكها، فوضع التاج على رأس فرنسيس زوج الملكة الاسكتلاندية ماري ستيوارت، ولم تمر بضعة أشهر على توليه العرش حتى فارق الحياة بدوره.بقيت الفاتنة ماري مخلصة ووفية لزوجها وعادت لبلادها، لتتسلم سلطاتها وتتلقى معها طلبات الزواج من ملوك السويد وإسبانيا وابن إمبراطور ألمانيا، الذين كان بعضهم ممن كانوا يوما عُشاق إليزابيت، ملكة إنجلترا فشعرت بالإهانة، وبدأت اليزابت تنسج لها المكائد.لم ينه زواج ماري من ابن عمها الوسيم دارنلي مأساتها، فجماله كان يخفي وراءه خبثاً ومكرا، إذ اشترك مع والده بمساعدة أشراف اسكتلاندة في عدة خطط بقصد هلاك الكاثوليكية الملكة ماري ستيوارت لإرغامها على النزول عن العرش لصالح ابنهم دارنلي. بدأت ماري تنظر للجميع من حولها بعين الشك، فلم تكن تشعر بطمأنينة تجاه زوجها فتدهورت حياتهما الخاصة، ولم تعد تثق به كالسابق، فاتخذت خطوة جريئة أثارت فيها حقد زوجها بعد أن عينت مستشاراً مالياً إيطالياً يدعى دافيد ريزبوا وكان كاثوليكياً ، فحاك زوجها مؤامرة ضدها بمساعدة الحزب البروتستانتي، فتم قتل المستشار داخل غرفة طعام الملكة.وضعت الملكة الجميلة طفليها جيمس السادس أوف اسكوتلاندة، ليصاب بعدها زوجها بمرض شديد نقلته إثره إلى منزل صغير، ولم يمض وقت قصير حتى سقط عليه المنزل نتيجة انفجار مجهول الأسباب فأرداه قتيلا، فوجهت أصابع الشك والريبة حول الملكة ماري وبأنها وراء مقتل زوجها بمساعدة عشيقها، سيما أنها في تلك الأثناء اتخذت لها خليلاً يدعى آرل أوف بوثول لينسيها جرعات الألم الذي أذاقها لها زوجها، ولكن حبيبها سرعان ما برئ من تلك الجريمة.تزوج آرل بعد مرور ثلاثة أشهر على حداد أسود تمثيلي لرحيل الزوج، الملكة ماري، فاندلعت ثورة هائجة من جميع الأشراف البروتستانت والكاثوليك ضدها، متهمينها بوضع الدسائس السياسية وبالقتل الشنيع وبالإباحية، أسرعت ماري بتجهيز جيش ليقاوم الثورة، إلا أنه سرعان ما تداعى وتفرق قبل خوض الهجوم والاشتباك مع أعدائها.وفي عام 1567، نزعت تاج العرش من رأسها مجبرة من أجل طفلها الوحيد. وأخذها زوجها المتآمر ضدها آرل إلى قلعة حصينة فألقى بها خلف أسوار شائكة مظلمة، حيث نسجت مؤامرة ضدها الهدف منها حصول جماعة مجهولة على الحكم بعد أن يحصلوا على الملك الطفل، بمساعدة من ملكة انجلترا إليزابيت، ابنة عمة ماري، وعوض أن يتم إنقاذها انتقلت معذبة من سجن إلى آخر، تسعة عشر عاماً، قيدت بعدها للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى.وذكرت بعض كتب التاريخ بأن محاكمتها كانت تخلو من محامين للدفاع عنها، وتخلو من مستندات تدينها بالجرم، قبل أن تواجه الملكة ماري حُكم الإعدام.ويوم تنفيذ الحكم، ارتفعت أيدي الجلاد، ومعه آلة حادة ستنهي حياة ملكة عظيمة، فانهالت على رأس الملكة فأخطأ ضربته الأولى، فأحدثت نزيفاً حاداً في جمجمة الملكة ولكنها لم تتأوه، ولم تظهر علامات الألم على معالم وجهها الحزين، ولم يصب إلا في الضربة الثالثة، فانفصل رأسها عن جسدها، فصاح “هكذا يموت كل خصوم الملكة إليزابث!”. هجر المغلي