القضاء العبري ضمن منظومة الحكم قوة الأمم تقاس بقوة قضائها. كثيرا ما يعرج المؤرخون على القضاء وأشكال تطبيقه، في بحوثهم حول في محاولة لفهم الأمم وتطورها، فالقضاء هو المرآة التي تعكس وجه الشعوب والتطور الذي حققته.ومع التطور التاريخي الذي شهده المغرب منذ قرون خلت، كان السؤال المطروح دائما هل كان يتمتع بقضاء منظم وفق معايير مضبوطة، أم أنه كان الاحتكام فقط إلى الأعراف والتقاليد، للفصل في النزاعات؟ هل كانت كل المناطق المغربية تحظى بوجود محاكم؟ وغيرها من الأسئلة التي نحاول من خلال هذه الحلقات إيجاد جواب لها بالحديث عن القضاء في المغرب، قبل عهد الحماية وأنواعه، ثم فترة الحماية وما حملته من تغيير للتنظيم القضائي بإحداث محاكم عصرية ومحاولة طمس بعض أنواع القضاء، وفترة الاستقلال. «التقاليد الإسلامية» تحترم المعتقدات الدينية، كانت القاعدة المعمول بها في المغرب، فكانت الجالية اليهودية تتمتع باستقلال ذاتي كامل يخص ممارسة ديانتها، ولم تكن تخضع لحكم قاضي المسلمين، إذ بالموازاة مع وجود القاضي الشرعي، كانت المحاكم العبرية تنظر في القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية لليهود، وكانت اختصاصاتها في تلك الفترة تمتد إلى القضايا المدنية والتجارية عندما تنتمي الأطراف المتنازعة برمتها إلى الديانة اليهودية، وكان القضاة الأحبار يطبقون الشريعة الموسوية ويتلقون سلطتهم من ظهير يسلم للأشخاص، وتتقدم كل جالية يهودية على حدة باقتراح مرشح لمنصب القاضي، قصد الموافقة السلطانية عليه. وكان القاضي العبري أو ما يسمى الدجان يمارس مهام الحسم في المنازعات أو إصلاح بين الأطراف بمساعدة عدلين كانا يقومان بمهمة التوثيق بالتنسيق مع كتابة الضبط.القضاة العبريون كانوا يملكون سلطة قسرية على متقاضيهم أكثر نجاعة من السلطة العمومية، على اعتبار أنها كانت بالفعل تبعد أي تدخل للباشا في القضايا المعروضة، بخلاف القاضي الشرعي الذي تنازل عن بعض اختصاصاته للباشا. فكان العدلان أو ما يسمى بالعبرية «سوفريم يسلمان» كل معاند لم يرغب في المثول أمام القاضي العبري، أو عدم تنفيذ حكم اتخذ ضده إنذارا بمنزله يخبره بأن ذلك العصيان سيجعله خارج القانون، وتصبح العقوبة في حقه أكثر قساوة بالإعلان عن خروجه من الدين واعتباره غير منتم للجالية اليهودية وغير مؤهل لإجراء أي معاملة بيع أو شراء مع اليهود أو الدخول إلى منازلهم..لم يكن اسم الباشا معروفا عند المغاربة من قبل، وإنما تم تبنيه منذ الدولة السعدية، عندما التحق الضباط الأتراك الحاملين لهذا اللقب بالجيش المغربي، وبدأ يحل تدريجيا مكان العامل الاسم المخصص لوالي المظالم ووالي المدينة، في حين يبقي والي المظالم بالبوادي على القائد، رغم أن القانون كان يعطي الإمكانية للمتقاضين من سحب دعواهم من أمام الباشا أو القائد، إلا أن ذلك الحق لم يمارس إلا في حالات نادرة عندما تكون النازلة مستعصية الحل عند الباشا أو القائد، إذ يعتبر نفسه غير مختص بها ويحيلها على القاضي الشرعي. وكانت الصلاحيات المخولة للباشا تمكنه من استدعاء الأطراف المتنازعة وإصدار حكمه في النازلة دون مراعاة أي إجراء قانوني، معتمدا على الشرطة التي كانت تحت إمرته وعلى الصلاحيات الموكولة له بالأمر بوضع الأشخاص والممتلكات رهن إشارة السلطة التي تتمثل في شخصه. كانت من بين الوسائل المعتمدة للتحقيق في القضايا المدنية أو الجنائية التي تقع تحت اختصاص الباشا أو القائد هي الشهادات أو الخبرات المنجزة، ويمكنه الاستغناء عنها، ويعتبر الاستدعاء إلزاميا للحضور إذ يتطلب من المدعى عليه أو الضنين أو الشاهد الالتحاق أمام باب الباشا في أي وقت يطلبون فيه، وكانت توقع عقوبة على الممتنع تتمثل في السخرة، أي يفرض عليه انجاز ذلك العمل قهرا وبدون أجرة. ويتطلب من المتقاضين المثول أمام الباشا أو القائد مصحوبين بشهودهم وإظهار حسن النية في التعامل حتى لا تلصق بهم تهمة المراوغة التي من شأنها أن تعد إهانة في حق الباشا أو القائد.لم تكن القضايا المعروضة أمام الباشا أو القائد في تلك الفترة شائكة، بل كانت تنصرف إلى الجنح البسيطة المتعلقة بالضرب والجرح، أو الإخلال بالنظام العام، وفي القضايا المدنية، كانت تخص استخلاص الديون والنزاعات بين المؤجر والمستأجر. وتصدر الأحكام الصادرة عن الباشا والقائد بشكل شفوي، وتنفذ بمجرد صدورها أو خلال مدة وجيزة، ولم تكن هناك أي وسيلة للطعن في ذلك الحكم، ما عدا الشكاية التي يمكن أن توجه إلى السلطان، لكن لم يكن المتقاضي يجرؤ على القيام بهذا نظرا للهيبة التي يتمتع بها الباشا أو القائد.كان الباشوات والقواد يخضعون إلى رقابة حكومة المخزن بواسطة خلفاء السلطان، أي نوابه، وكانوا يتقاضون راتبهم من عائدات الضرائب المستخلصة، كما يتلقون إعانات مالية من أمناء الحرف، ما يجعلهم في غنى عن طلب المساعدة من المتقاضين، إلا أن بعضهم كان يلجأ لذلك الأسلوب، طمعا في الثراء السريع، خاصة من الأغنياء الذين يجدون فيهم حماة لهم، أما في البوادي، فكان سكانها يقومون بإعالة القائد الذي غالبا ما يكون من أفراد القبيلة، برعاية أرضه، وهو ما كان يعرف بأعمال التويزة، كما كان يتقاضى نصيبه من الضريبة الفلاحية التي يقوم بتحصيلها لفائدة المخزن. كريمة مصلي