زنوبيا.. الملكة التي قتلت نفسها جوعاً منذ فجر التاريخ والمرأة تسعى إلى إثبات نفسها في مراكز الرجال، وعلى رأسها عروش الحكم، إلا أنه كما أتاح لها هذا الطموح ارتشاف حلاوة السلطة والشهرة والجاه، كان لزاما عليها أيضا أن تتجرع مرارة القتل من أجل الحفاظ عليه لينتهي بها الأمر في بعض الأحيان إلى قاتلة أو مقتولة أو الاثنين معا .هذه الحلقات تعرض لملكات قمن بشؤون دولهن أحسن ما يقوم به الملوك العظام، بل إن منهن من قدن الجيوش وخضن معمعات المعارك والحروب واستعملن من سعة الحيلة وضروب الخداع ما يقصر عن إتيانه كبار الساسة والدهاة من الرجال، ويروي الحيل التي لجأن إليها أحيانا والمغامرات العاطفية لبعضهن. زنوبيا أو “الزباء” من الملكات اللاتي خلدهن التاريخ ، فهي زوجة “اودنائس” الذي كان أميرا مطماعاً، على عدة قبائل من الصحراء، ساعده الجد فأصبح سيد الشرق ولقبوه ب”قائد الشرق”، وقد كسب بالفعل عدة انتصارات بمخالفته لروما ضد شاه العجم فرده بجيشه مرتين إلى أصفهان، قاعدة بلاده، غير أن ابن أخيه ذبحه لسبب مجهول في وسط غزواته فانتقمت زنوبيا لزوجها، ولما كان أولادها الثلاثة صغارا ولا يصلحون لتولي الحكومة، فقد حكمت في أول الأمر باسمهم ثم أعلنت نفسها بعد ذلك ملكة على مقاطعات زوجها ووضعت تاج الملك.تضاربت أقوال المؤرخين عند كتاباتهم عن زنوبيا، فقد ذكر بعضهم أنها ابنة زعيم عربي اسمه “عمرو بن ضارب بن حسان”، وزعم البعض الآخر أنها يهودية. أما هي فكانت تزعم أنها من سلالة ملوك مصر المقدونيين.كانت زنوبيا في جمال كليوبترا، إلا أنها تفوقها في الخلق والحمية، وكان ذكاؤها نادراً، وكانت تتحدث اللاتينية، واليونانية، والمصرية، كما كانت كتب “هومر، أفلاطون” معروفة عندها، وجمعت تاريخ الشرق ونسقته لنفسها، وكما اشتهرت بجمالها كانت مشهورة أيضا بشجاعتها ودهائها وبأسها، فكانت تتبع زوجها في الصيد ولا ترهب الحيوانات المفترسة أسدا كان أو نمرا، ولما حكمت البلاد اتسم حكمها بالعدل وعاملت الرعية بالرحمة، فكانت إذا اضطرت أن توقع جزاء، أضفت في نفسها عوامل الرحمة، وإذا رأت محلا للعطف، قاومت عوامل الانتقام فيها، فكانت في الحالتين تصدر أحكامها عن إرادة تخضع النفس أمامها للعقل، وهي في غير ذلك كانت تعطف على الرعية عطفها على الأمراء الصغار. كانت تقيم في قاعدة ملكها “بالميرا”، فبلغت من العظمة والجمال والقوة في أيام ملكها، ما جعلها قبلة الشرق والغرب، بها عمارات من المرمر، وحدائقها تخلب الأبصار .أضافت زنوبيا إلى ممتلكات زوجها بلاد مصر، فأصبحت مملكتها بذلك تمتد من الفرات إلى البحر الأبيض المتوسط بما في ذلك القدس وأنطاكية ودمشق، إلا أن إمبراطور روما لم يرض الاعتراف بها ملكة على ولايات زوجها، فبعث إليها بجيش مرة بعد مرة، فكانت تهزمه في كل مرة شر هزيمة.وحين صار “أورليان المفترس” إمبراطورا على روما أغضبه تجرؤ امرأة على مخالفة روما وتحديها لسلطانه، فحوّل جيشا كبيرا إلى هذه الملكة التي أطلقت على نفسها “أوجينيا” وألبست أولادها ملابس ملوك الرومان الأرجوانية.وأرسل إليها رُسله يطلبون منها الإذعان فرفضت بشجاعة وقالت لهم: “استمعوا إلي، وكما تسمعون انقلوا القول إلى موفدكم، قولوا له إني كيفما أكون فقد كونت، وإن الإمبراطورية التي رفعتني إلى العرش قد صاغها زوجي معي، إنها ليست منحة ولكنها ميراث وغزو وتملك، ولو تخلى مرسلكم عن ممتلكاته أو بعضها لمجرد السؤال سأتخلى عن مصر وعن شواطئ البحر الأبيض المتوسط، قولوا له إني كما عشت ملكة، فإن شاء الله سأموت ملكة”. وصرفت رسله ولم تنتظر حتى يأتي إمبراطور الغرب إلى بلادها، فسارعت إلى لقائه واصطدمت معه في معركتين عظيمتين قادت فيها الجيوش بنفسها ولكنها هزمت في الموقعتين، واضطرت للعودة إلى حدود “يالميرا”، وهناك أقامت تحصينات مهمة وعادت فنازلت “أورليان” من بروجها فهزمته في أول المعركة، إلا انه فرض الحصار على المدينة فلم تستطع الصمود، وفكرت الملكة في الفرار لتطلب المساعدة من الجوار حتى تستطيع إنقاذ بلادها، وأخذت في تنفيذ الفكرة فامتطت جوادا وطارت به حتى وصلت إلى شواطئ الفرات، ولكنه اقتفى أثرها وأخذت أسيرة، وجيء بها إلى إمبراطور الرومان فسألها “كيف تجرأت على تحدي سلطة روما؟” فأجابته “إنها احتقرت أن تعترف برجال كأورولس وجالينس سادة لها، أما أورليان فهي تخضع له كغالب ومليك”.واختلف المؤرخون في حياتها بعد الأسر، فقال بعضهم إنها قتلت نفسها جوعاً، حتى لا ترى بعينيها مصرعها، ومصرع بلادها، وقال بعضهم إن الإمبراطور وهبها داراً وحديقة عاشت فيها معززة مكرمة، وزوجت بناتها من أشراف العائلات الرومانية وصار ابنها الأصغر ملكا على جزء من أرمينيا.وأيّا كانت نهاية زنوبيا، فإنها استطاعت بشجاعتها وقيادتها لبلادها أن يذكرها التاريخكواحدة من أشهر الملكات في التاريخ حتى ماتت عام 260 للميلاد. هجر مغلي