fbpx
خاص

حركة الشباب الملكي يحشد التأييد لدستور محمد السادس

مئات الشباب شاركوا في مسيرة مديونة على إيقاع “صوت الحسن ينادي..”constitutionmarhe3487

يسيل العرق غزيرا من جبين الرجل الكهل ويسقط مثل حبات عنب على الإسفلت الملتهب، وكلما داهمه الماء المالح وغطى زجاجات نظارته الطبية، سحبها بحركة سريعة ومسحها، كيفما اتفق، بطرف كمه، قبل أن يعيدها إلى مكانها من جديد بالحركة السريعة نفسها.

الرجل، الذي يربط ذراعه بشريط كتب عليه حركة الشباب الملكي ويرتدي صدرية لامعة تعمل عبارة نعم للدستور الجديد، يتحرك في كل الاتجاهات غير مبال بحرارة الشمس المفرطة وشعره المنفوش الذي غزاه الشيب وملابسه المبللة بالعرق، وأغلب الظن أن مهمة تنظيم مسيرة من هذا الحجم وفي هذا الوقت بالذات تفرض عليه استشعار كل حواسه حتى لا تنفلت الأمور ويضيع الـــــــهدف.
بالهمة واليقظة نفسيهما، يواصل صاحب السترة البرتقالية الركض من مؤخرة المسيرة إلى مقدمتها على مسافة أربعين مترا، وهو يحث المشاركين على رص الصفوف وتوحيد الشعارات وتفادي الأصوات النشاز والحرص على صرف كل ملتحق جديد لا يحمل رموز وشارات حركة الشباب الملكي، تفاديا للتشويش، وفي كل مرة يعاتب أحدهم مثل أب حنون: «يا الله أولدي دير داك شي لي تفاقنا علــــيه».
قبل انطلاق المسيرة في حدود الساعة الخامسة إلا ربعا من مساء أول أمس (الأحد)، كانت الترتيبات وصلت إلى نهايتها من أجل مشاركة مكثفة في هذا الحدث الوطني الذي يعتبر مصدر وجود هذه الحركة نفسها التي تأسست مباشرة بعد الخطاب الملكي لـ9 مارس الماضي، وتقوى ظهورها في الشارع العام بعد الخطاب الملكي ليوم الجمعة 17 يونيو الجاري وإقرار مشروع الدستور الجديد من طرف الملك، إذ قادت، تقريبا، كل المسيرات والتجمعات الحاشدة التي خرجت مباشرة بعد إذاعة الخطاب نفسه.
كان كل شيء معدا ومرتبا بشكل مسبق، مثلما كانت محددة نقطة التجمع وتوزيع المهام والمعدات اللوجيستيكية ووضع اللمسات الأخيرة، إذ تم اختيار في إحدى الزوايا القريبة من فضاءات مرجان التجارية التي ضربت عليها ما يشبه حراسة مخففة من طرف شباب يرتدي قبعات بلوني العلم المغربي وأقمصة بيضاء كتب عليها حركة الشباب الملكي.
غير بعيد، كان الرجل الكهل يمتطي سيارة نقل صغيرة من نوع «هوندا»، منهمكا، حد العرق، في التأكد من التركيب الجيد للمعدات والمكبرات الصوتية، ووجود الخيوط في مكانها الصحيح، وتفقد وضعية البطاريات، تفاديا لأي طارئ. وبعد أن يطمئن إلى وجود كل الأشياء الأساسية في مكانها الصحيح، يربت على كتف شاب بقربه ويتبادلان ابتسامة خفيفة، ثم يقفز بخفة من سيارة النقل، متجها إلى تجمع آخر للشباب كان منهمكا في توزيع المهام.
نساء الحركة وشاباتها وزعن فيما بينهن سترات برتقالية كتبت عليها «نعم للدستور الجديد»، حتى يتم تمييزهن عن باقي النساء المشاركات في المسيرة. كان الحماس على أشده في صفوف الشابات الملكيات «هذه لحظة تاريخية قلما تتكرر، لذلك نحرص على إنجاحها بكل ما استطعنا إلى ذلك سبيلا»، تقول إحداهن بلغة سليمة حرصا على إظهار تكوينها الدراسي الجيد وتفنيد الانطباع، ربما، أن شباب الحركة مجرد تجمع من العاطلين وحشد من «الشمكارة» والميؤوس منهم الذين يتم تجميعهم بحفنات من المال من طرف السلطات المحلية.
زعيق حافلة في الجهة المقابلة يصم الآذان. تقول الشابة نفسها إن زملاء لها من برشيد وسطات وصلوا للتو للمشاركة في المسيرة الوطنية «لقد تأخروا بعض الوقت، بسبب الاكتظاظ الشديد الذي تعرفه الطريق السيار هذا اليوم..»، وقبل أن تختم جملتها تقفز إلى حضن زميلة لها بدا أن علاقات صداقة قوية تجمع بينـــــــهما.
في هذه الأثناء، أعطى الرجل الكهل الإشارة لرص الصفوف، إذ بدا واضحا أن الاتفاق المسبق يقتضي أن يصعد خمسة شبان يمسكون مكبرات صوت يدوية إلى سيارة النقل «هوندا» التي غلفت بالكامل بلافتات حمراء وخضراء حملت شارة الحركة وشعاراتها المؤيدة للدستور الجديد والتوجيهات والقرارات الملكية، ثم ينتشر باقي الشباب الذي يلغ عددهم 360 شابا تقريبا حول السيارة حاملين لوحات خشبية وبلاستيكية صغيرة. أما الصفوف الأمامية، فقد كان مهيئا أن تحتلها النساء وشابات الحركة، خصوصا اللواتي يملكن أصواتا وحناجر قوية لحشد وترديد الشعارات.
تدق ساعة الصفر، ويتحرك الموكب بخطوات محسوبة يضبط إيقاعاتها أعضاء اللجنة التنظيمية، وكان الهدف عبور المسار المحدد للمسيرة في ثلاث ساعات ونصف على الأقل.
ينطلق الموكب، وتصدح «صوت الحسن الثاني ينادي بلسانك يا صحرا» قويا من مكبرات الصوت، ويلتهب الحماس وتردد الحناجر «فرحي يا أرض بلادي أرضك صبحات حرة..مرادنا لازم يكمل بالمسيرة الخضرا».
يعبر الشباب الملكي على إيقاعات المسيرة الخضراء المدار المقابل لمتاجر مرجان، ثم يعرج على تقاطع شارع محمد السادس (مديونة سابقا)، فيما يواصل الرجل الكهل حث الجميع على الانضباط وعدم الخروج على الإطار المحدد، وعدم السماح لأي أحد باختراق المركب.
على مستوى الظاهر، بدا الحرص واضحا على تنظيم حدث وطني «يرقى إلى اللحظة التاريخية»، حسب وصف أحدهم، «دون ضجيج كثير أو اتهامات مجانية أن حركة الشباب الملكي مجرد مجموعة من «المساليين قبهم» حشدها أعوان السلطة والقياد لأداء مهمة في الزمان والمكان، وبعد ذلك يذهب كل واحد إلى حال سبيله، بعد أن ينال مقابل ذلك نقدا».
يسير المركب بالخطوات المحسوبة، تنخفض مكبرات الصوت، وتعطى الإشارة إلى الشعارات التي تعكس هوية الشباب وتوجهاتهم وموقعهم من معركة الدستور والتغييرات الحالية التي يشهدها المغرب، وبعض هذه الشعارات يعكس موقفا حازما ومضادا من شباب حركة 20 فبراير ويعيبون عليهم الحديث باسم كل الشعب المغربي «شكون عطاك الحق تدوي باسميتي».
يقترب الموكب من نقطة النهاية بالإصرار نفسه على التميز والرغبة في إيصال رسالة واضحة أن شبابا آخر في المغرب يمكن أن يحمل رأيا يتماهى مع أعلى سلطة في البلد ومستعد للدفاع عن هذا الموقف في الشارع العام، دون تخوين أو «مخزنة» أو تهم جاهزة..ما العيب في ذلك؟

ي.س

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى