المصالح الأمنية فضلت الحياد وحمت العدليين وضمنت وسام حرية التعبير تفوق المغرب، أول أمس (الأحد)، في اختبار الديمقراطية بنجاح، وخرج الآلاف في مسيرات جابت شوارع المدن، سواء لتأييد أو رفض الدستور، دون حدوث مواجهات، في مشهد يكشف أن حرية التعبير وسام يستحقه المغرب عن جدارة واستحقاق. وباستثناء حالات معزولة جدا، لم تتدخل السلطات لتفريق المسيرات التي دعت إليها حركة 20 فبراير، بل حرصت على سلميتها بمنع أي احتكاك لها مع المؤيدين للدستور. وشهدت شوارع المدن مسيرات تنوعت أهدافها واختلفت مضامينها، لكنها جسدت أن المغرب قادر على احتضان كل الآراء بصدر رحب، مهما تطرفت بعض التيارات السياسية فيها، في سابقة في العالم العربي، الذي لا يخلو من المواجهة والقمع وسيادة منطق القوة والتطرف.وسجل الحي المحمدي بالبيضاء، أول أمس (الأحد)، صورا في صفحة بيضاء من تاريخه الطويل، فمنذ الصباح شهد حركة دؤوبة للمناصرين لمشروع الدستور الذين يسارعون الخطى للالتحاق بالمسيرة المؤيدة للدستور بحي الإدريسية، وتسابق الشباب والنساء للتعبئة وتوزيع بعض المناشير، فيما انطلقت جماعات منهم إلى الحافلات المتجهة إلى حي الإدريسية، في حين سرت حركة بين المعارضين للدستور تمثلت في تغيير مكان انطلاق مسيرتهم من حي ساحة البريد إلى ملتقى طرقي، فتعبأت المصالح الأمنية لمنع أي احتكاك بين الطرفين، بل تدخلت أحيانا لتفادي اشتباكات، فهي الضامنة لحرية التعبير والحريصة على سيادة القانون، حسب أحد رجال الأمن.وجالت مسيرة العدليين شارع الحزام الكبير بالحي المحمدي، واحتل أبناء الحي المؤيدين للدستور الأزقة المتفرعة عن الشارع ذاته، وساروا أمام المسيرة تحت أحزمة أمنية لضمان مرورها بسلام، وظلت الهواتف المحمولة لكبار المسؤولين الأمنيين تنقل التفاصيل، وأحيانا للتدخل من أجل تفادي أي احتكاك بين الطرفين، ولولا حجرة طائشة من عضو في حركة 20 فبراير أصابت شرطيا، لسجلت المسيرة مشهدا يسمو عن مشاهد الملاسنات، ويعبر عن أن الاختلاف من شيم المغاربة، مادام لا يفسد للود قضية.لقد خاب ظن بعض المصطادين في الماء العكر الذين راهنوا على وقوع مواجهات دامية بين المؤيدين والمعارضين لمشروع الدستور، بل فشلت بعض شعارات العدليين في حدوث مواجهات، إذ ردد أتباع الجماعة شعارات تخون وتكيل التهم إلى كل المؤيدين لمشروع الدستور، فحين يصدح صوتهم ب «عاش الملك» يرد أتباع الجماعة «عاش الشعب»، ناهيك عن شعارات من قبيل «الرشايوية» و«الخونة» و«الشمكارة».وظل سكان الحي يتابعون المسيرة، التي لم يتتجاوز عدد المشاركين فيها أربعة آلاف، إذ اختفى كل توجس من تدخل رجال الأمن لتفريقها، فالتظاهرة كانت سلمية، ونجحت الدولة في الاختبار الديمقراطي الذي يضمن التعبير عن الرأي ولو بطريقة مستفزة أحيانا، فالعدليون بحت حناجرهم في الدعوة إلى مقاطعة الدستور، دون أن يمنعهم أحد، والمؤيدون رددوا شعاراتهم المناهضة لتسييس حركة 20 فبراير، ودعوا إلى تأييد الدستور.لقد أبانت التظاهرات، أول أمس (الأحد)، حكمة المسؤولين في ضمان الحياد بين الرافضين والمؤيدين، إلا من بعض الحالات، وسيتذكر أبناء الحي المحمدي تفاصيل يوم نجح فيه المغرب في ضمان حرية التعبير، دون مشاهد الهراوات وحجارة المتظاهرين. خالد العطاوي