شاطر: وضعية القضاء واستقلاله ليسا شأنا داخليا يهم القضاة وحدهم لعل أهم موضوع شغل بال المهتمين بالشأن القضائي، إضافة إلى الجانب المتعلق بتكريس القضاء سلطة وتمتيعه بكامل الاستقلال وإبعاد هيمنة السلطة التنفيذية عليه هو التفكير في تركيبة المجلس الأعلى للقضاء، على اعتبار أن تركيبة أي مؤسسة وطريقة اختيار أعضائها تعكس مدى استقلال هذه المؤسسة أم لا؟ وإذا ما كانت مؤسسة المجلس الأعلى للقضاء توجد في أغلب الأنظمة العالمية كمؤسسة تهتم بشؤون القضاة من تعيين وترقية وتأديب وإسناد مسؤولية داخل الجهاز القضائي، فإن رئاسة المجلس وكذا تركيبته يختلف من دولة لأخرى، فهناك من أسند الرئاسة إلى رئيس الدولة أو لرئيس محكمة النقض، أما بالنسبة إلى التركيبة فهناك من اخذ بنظام تعيين الأعضاء من طرف رئيس الدولة وهناك من أخذ بالنظام المختلط.فجزء من الأعضاء معين بنص القانون والجزء الآخر معين من طرف رئيس الدولة أو عن طريق الانتخاب.وإذا كان التشريع المغربي الحالي يأخذ بنظام يختلط فيه الأعضاء المعينون بقوة القانون والأعضاء المنتخبون إلى جانب إسناد منصب نائب الرئيس لوزير العدل فإن السؤال الذي مازال يثير كثيرا من النقاش هو ما إذا كانت عضوية المجلس الأعلى للقضاء ينبغي أن تقتصر على القضاة وحدهم أم هناك إمكانية إضافة أشخاص آخرين من غير القضاة.وأثناء الاستشارات التي همت زعماء الأحزاب السياسية المغربية بشأن إصلاح وهيكلة المجلس الأعلى للقضاء صرح مجموعة منهم بضرورة تطعيم هذا المجلس بأشخاص من غير القضاة يمثلون بعض الجهات المهتمة بالشأن القضائي كالمحامين والأساتذة الجامعيين والحقوقيين، وقد سار في التوجه نفسه مجموعة كبيرة من الجمعيات الحقوقية المغربية.وهذا التوجه ليس معزولا عن التجارب التي عرفتها كثير من الدول في هذا المجال، فعلى سبيل المثال أخذت كثير من الدول الأوربية بتجربة المجالس المختلطة التي تضم إلى جانب القضاة فعاليات من المجتمع المدني من محامين وأساتذة جامعيين.إلا أن هذه الدول رغم اتفاقها على هذا المبدأ فإنها اختلفت حول نسبة المشاركة بين القضاة وغيرهم من أعضاء المجلس.ولنأخذ مثالين لهذين التوجهين: الأول إيطاليا إذ أن المجلس بإيطاليا يضم 30 عضوا منهم 20 قاضيا ينتخبون من طرف القضاة و10 أشخاص آخرين من غير القضاة ينتخبون بواسطة البرلمان من المحامين والأساتذة الجامعيين هذا طبعا إضافة إلى رئيس الجمهورية ورئيس محكمة النقض والوكيل العام لدى هذه المحكمة كأعضاء بقوة القانون.أما الذي يمثل التوجه الثاني فهو فرنسا إذ يتكون المجلس من أربعة عشر عضوا ستة منهم قضاة والباقون من غير القضاة منهم محامون وأساتذة جامعيون يعين بعضهم رئيس الدولة والآخرون رئيسا مجلسي النواب والشيوخ.وقد أثارت هذه التركيبة جدلا كبيرا في فرنسا خصوصا من طرف القضاة، لأن أغلبية أعضاء المجلس ليسوا قضاة وإضافة إلى كل ذلك فإن هذا المجلس يتلقى الشكايات المرفوعة من طرف المواطنين ضد تصرفات بعض القضاة وليس ضد الأحكام التي يصدرونها.وهكذا يتضح أن فكرة اشتراك فعاليات مهتمة بميدان القضاء في تركيبة المجلس الأعلى هو اتجاه أخذت به مجموعة كبيرة من الدول الغربية وان اختلفت في نسبة مشاركة القضاة بين من غلب جانب القضاة على جانب بقية الأعضاء وبين من اخذ بالعكس، ومهما تم الخلاف حول هذه النسبة فإن مبدأ مساهمة أطراف أخرى مهتمة في تركيبة المجلس الأعلى للقضاء هو توجه أصبح الآن سائدا، خصوصا انه ليس فيه مس باستقلال القضاء أو تدخل في شؤونه.لأن وضعية القضاء وضمان استقلاله ليس شأنا داخليا يهم القضاة وحدهم بل يهم المجتمع بأكمله، وبالتالي لابد أن تكون هناك مراقبة شعبية لهذه المؤسسة الحيوية الهامة.فإذا كان الشعب يراقب القضاة بحضوره جلسات الأحكام من خلال مبدأ علانية الجلسات، فإن من حقه أن يكون فعلا وحاضرا حتى من خلال وجوده بأعلى مؤسسة تهتم بالشأن القضائي وهي المجلس الأعلى للقضاء.وليس من شأن إشراك فعاليات مهتمة بميدان القضاء من محامين وأساتذة جامعيين وحقوقيين إنقاص من شأن القضاة أو قيمتهم أو قدرتهم على تسيير شؤونهم، ولكنه إشراك للآخرين في تسيير مرفق من أهم مرافق الدولة والكل طبعا في نطاق احترام حرية الرأي والشفافية الكاملة وهذا هو الذي دفع كثيرا من الدول Εαμ أن تلزم المجلس الأعلى للقضاء بوضع تقرير يتضمن نشاط هذا المجلس ويتم نشره ليطلع عليه الشعب. النقيب إدريس شاطر (رئيس الاتحاد الدولي للمحامين)