fbpx
حوادث

دراسة: مدونة الشغل والأم الأجيرة … أي حماية؟ (3/3)

حمايــة الأم الأجيــرة من الطـرد التعسفـي بسبـب الحمـل والــولادة

عرف المجتمع المغربي منذ منتصف القرن الماضي تحولات كبيرة ونوعية مست عدة جوانب ومستويات في حياة أفراده وتنظيماته ومؤسساته وفئاته. وكان من بين هذه التحولات الكبرى انخراط المرأة في العمل خارج محيطها العائلي والأسروي، وأصبحت تساهم بشكل فعال في الإنتاج والتنمية، وبخروج المرأة لسوق العمل أضيفت إلى مسؤوليتها الأسرية أعباء والتزامات جديدة فرضها عليها واجب المشاركة في تحمل نفقات ومصاريف البيت، إما بسبب ترملها بوفاة الزوج معيلا للأسرة أو إما لأنه عاطل أو مريض أو من الفئة المحدودة الدخل أو  لإثبات ذاتها وقدرتها على العطاء خارج البيت.

في مــا يخـص الأجيـــرة الأم في القطـــاع البنكـــي، يبدو أن عطلة الحمل والولادة التي قررتها مدونة الشغل، تظل قصيرة وغير كافية لتمكين الأجيرة من رعاية وليدها، مقارنة مع ما جاءت به الاتفاقية الجماعية  للقطاع البنكي في مادتها 69 التي نصت على أن الأجيرة البنكية تستفيد من أربعين يوما، قبل الوضع وثلاثة شهور بعد الوضع،وتتقاضى خلال هذه العطلة أجرها كاملا ويثبت لها الحق أيضا في الاستفادة من أجل رعاية طفلها بستة شهور أخرى  تتقاضى خلالها نصف الأجر وبإمكانها دائما ولنفس الغاية تمديد عطلتها بستة  شهور أخرى بدون أجر.
ويتجلى النقص والقصور أيضا في الحماية المقررة للأجيرة الأم في مدونة الشغل إذا ما قورنت مع ما تتمتع به الأم الأجيرة في القانون الفرنسي.
وفيمــا يخـص الأجيـــرة الأم في القانـــون الفرنســي، فإنه وبمقتضى المادة 122-25-2 من قانون الشغل الفرنسي لسنة 11/07/1975 تستفيد الأجيرة الأم في الحالة العادية للحمل والولادة من ستة عشر أسبوعا.

أما في الحالة المرضية الناتجة عن الحمل والولادة،  فالأجيرة الأم الفرنسية تستفيد من أسبوعين إضافيين قبل الولادة وأربعة أسابيع بعدها، أي اثنين وعشرين أسبوعا.
فضلا على أن نفس المادة نصت على أنه في حالة ازدياد طفلين، تتمدد عطلة الحمل والولادة لتصبح أربعة وثلاثين أسبوعا، وتمتد أكثر لتصبح ستة وأربعين أسبوعا في حالة الولادة المتعددة.
بل إن المادة 122-26 من القانون المذكور أعلاه، قضت أن الأجيرة الأم يمكنها أن توقف عقد عملها إلى غاية اثنين وخمسين أسبوعا في الحالة المرضية الناتجة عن الولادة المتعددة.
وقد تدخل المشرع الفرنسي بمقتضـى قانـون 04/01/1974 وخول الحق للآباء الاستفادة من العطل المذكورة أعلاه  ليس فقط لرعاية أطفالهم، بل كذلك للعناية وتربية الأطفال المتكفل بهم .
في حين نصت الفقرة الأولى من المادة 122-18 مـن القانـون الفرنسي 11-07/1975 المعدل بقانون عدد 91 بتاريخ 3/10/1991 الذي خول للأجيرة التي تثبت أقدميتها في العمل لمدة سنة الحق في الاستفادة من عطلة لتربية الوليد أو الطفل المتكفل به أو أن تعمل  في إطار التوقيت الجزئي مدة قد تطول إلى غاية ثلاث سنوات.

وبالتالي، ومن خلال هذه المقارنة نخلص إلى أن عطلة الحمل والولادة التي جاءت بها مدونة الشغل لا تمثل إلا الحد الأدنى من الحماية التي تبقى جد ناقصة، ناهيك على أنها في الغالب الأعم لا تجد لها حظا في التطبيق وتحجم الأجيرة الأم على مقاضاة المشغل لنيل حقوقها مخافة التعرض للطرد التعسفي من عملها.
والملاحظ أن مدونة الشغل لم تنص على مصير أجر الأجيرة الأم أثناء عطلة الحمل والولادة ولا على الجهة الملزمة بأدائه.
وتعتبر هذه ثغرة خطيرة في مدونة الشغل يجب أن يتداركها المشرع، حتى لا يكون متأخرا على ركب التشريعات المقارنة.
وحيث أن أجر الأجيرة الأم في الوقت الراهن أصبح يشكل في الغالب مورد عيشها الوحيد لكونها أصبحت تتحمل مسؤولية الإنفاق على أسرتها وأبنائها إما بسب بطالة الزوج أو محدودية دخله أو وفاته أو مرضه أو غيابه أو بسبب تفكك الرابطة الزوجية بالطلاق أو التطليق.

وهذا ما تفطنت له العديد من القوانين المقارنة التي تضمن للأجيرة الأم أجرها كاملا أثناء عطلة الولادة عن طريق تأمينات إضافية إجبارية تقوم مقام المشغل في أداء أجر الأجيرة الأم.
مع التسطير في هذا الباب أن هذا الأمر ليس غريبا عن شريعتنا وديننا لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعبقريته كان أول من أسس أجر الأمومة حين أمر بإعطاء أجر للأم حتى الفطام.
وبهذا الخصوص ربما قد يتبادر إلى الذهن، أن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، هو الذي يؤدي أجر الأجيرة الأم أثناء عطلة الحمل والولادة، لكن يجب إثارة الانتباه في هذه النقطة، أن خدمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي غير معممة لأن نسبة قليلة من الأجيرات هن اللواتي يستفدن منها، وذلك راجع لإخلال المشغلين بالتزامهم بتسجيل الأجيرات لدى الجهة المذكورة أعلاه.

علاوة على أنه في أحسن الحالات وحسب ما جاء في القانون رقم 130-19-1 الصادر بتاريخ 1992 أن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لا يؤدي اجر الأجيرة  أثناء عطلة الحمل والولادة إلا عن مدة اثني عشر  أسبوعا، تؤدى خلالها التعويضات اليومية عن عطلة الأمومة بنسبة مائة في المائة من معدل أجر الأساس اليومي،  على أن لا يتعدى سقف الأداء 5000 درهم.

وإذا كانت خدمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المغربي ناقصة جدا  فإن قانون الضمان الاجتماعي الفرنسي لسنة 29/06/1975 فـي مادته 131-3 خول عدة حقوق للأم الفرنسية الأجيرة المتغيبة بسبب الحمل والولادة، وعمم خدماته لتشمل حتى زوجة المؤمن، ويتحمل هذا الجهاز أداء 90% من قيمة الأجر الأساسي  اليومي طيلة عطلة الولادة  والحمل ، وفترة تمديدها ودون تحديد لسقف الأداء.
بل إن الضمان الاجتماعي الفرنسي وبمقتضى المادة 122-25-3 مــن القانون الصادر بتاريخ 27/01/1993 يتكفل بأداء تكاليف جميع الفحوص الطبية الإجبارية لمراقبة الحمل ويعطي للأجيرة الحامل الحق في التغيب عن العمل من اجل إجراء هذه الفحوص مع احتفاظها بأجرها كاملا.

ب-في مــا يخــص حمايــة الأجيــرة الأم من الطـرد التعسفـي بسبـب الحمـل والــولادة
جاء في مدونة الشغل أنه لا يمكن للمشغل إنهاء عقد شغل الأجيرة التي ثبت حملها بشهادة طبية سواء أثناء الحمل أو بعد الوضع.
إلا أن الأجيرة وبخلاف المشغل يمكنها مغادرة عملها أثناء الحمل والوضع وعطلة الولادة دون إشعاره، ودون أن تكون ملزمة بأداء أي تعويض عن فسخ عقد العمل بصفة منفردة طبقا لمقتضيات المادة 158م.ش.

غير أنه يمكن للمشغل إنهاء العقد إذا أثبت ارتكاب الأجيرة الأم خطأ جسيمــا لا علاقة له بالحمل أو الولادة أو لأسباب أخرى، شرط ألا تبلغ الأجيرة بقرار الإنهاء أثناء فترة توقف عقد الشغل المنصوص عليه في المادتين 154و156م.ش أعــلاه ولا يكون لهذا الإنهاء أي أثر خلال هذه المدة.
أما إذا بلغت الأجيرة بقرار الفصل قبل أن تثبت حملها بشهادة طبية،  فان المادة 160 م.ش خولت لها إمكانية إبطال قرار الفصل، إذا بادرت بعد خمســة عشـــر يوما من توصلها به، وذلك بتوجيه شهادة طبية مثبتة للحمل للمشغل برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل.

و في حالة إقدام المشغل على إنهاء عقد شغل أجيرة حامل ثابت حملها بشهادة طبية، أو أثناء فترة عطلتها الموالية للوضع، فانه يتعرض لأداء غرامة مالية تتراوح ما بين  10.000 درهم إلى 20.0000 درهم.
و في اعتقادي أن العقوبة المذكورة أعلاه هزيلة لا تحقق الردع المطلوب لذلك يجب رفعها إلى 40.000 درهم، مع إغلاق المؤسسة المخلة بهذا الالتزام في حالة العود المتكرر، وذلك لتحقيق الردع والزجر وإعطاء فعالية ونجاعة لهذه القاعدة. يجب النص صراحة في الدستور على مسؤولية الدولة في حماية الأمومة وتقديم الخدمات وإعداد المرافق الضرورية لحضانة الأطفال، واعتبارا لعدم دراية الأمهات الأجيرات بحقوقهن و ليتسنى لهن معرفتها والمطالبة بها على الإعلام بجميع وسائله خاصة المرئية منها الاضطلاع بدوره الريادي في التوعية والتحسيس وتخصيص حصص في برامجه تتعلق بقانون الشغل بصفة عامة والمقتضيات التي تهم المرأة بصفة خاصة.

و يجب على النقابات العمالية والجمعيات النسائية أن تعمل على تنظيم ندوات لتحسيس وتوعية الأجيرات بحقوقهن في إطار دورات تكوينية سواء بمقرات النقابات والجمعيات أو في مقر عمل الأجيرات.
وينبغي أيضا التفكير في سن تأمين خاص لأداء أجر الأم كاملا أثناء عطلة الحمل والولادة العادية والممتدة بسبب المرض أو لتربية المولود خاصة أن هذا الأجر يكون في الغالب هو مورد عيشها.

بقلم: نجـاة الكـص: محامية بهيأة الدار البيضاء
رئيسة جمعية تنمية أسرة الألفية الثالثة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى