"عاصمة" تعاند السياسة وتصر على التميز قليلة هي المدن التي، تظل، في كل مرة تزورها، وفية لطابعها وأصالتها، وفي الوقت نفسه، متجددة ومتغيرة مثل مدينة برشلونة، المدينة الاسبانية التي تجمع عشق كرة القدم وحب الفن وعبق التاريخ وثقافة متميزة في تفردها، في تناغم يختزن سر سحر عاصمة «الأمة الكاتالونية». تعتبر برشلونة ثاني أكبر المدن الإسبانية بعد مدريد. ورغم أنها دائما ما توضع موطن مقارنة مع العاصمة، فإن سكان المدينة يكرهون هذه المقارنة ويصرون على تفرد مدينتهم، هذا التفرد، الذي أكسبه إياها تاريخها وثقافتها الكاتالونية، التي يشكل المهندس المعماري «أنتوني غاودي» أحد أشهر معالمها، كيف لا، وهو الذي منح المدينة طابعها العمراني المميز، ليصبح اسمه مرتبطا بالمدينة وثقافتها الكتالونية.كاتالونيا... الهويةفي برشلونة، كل شيء يحمل لمسة غاودي، البنايات والكنائس والمتاحف، حتى المنازل والإقامات السكنية التي شيدت سنوات بعد وفاة غاودي في عشرينات القرن الماضي، والتي تتناغم والهوية المعمارية للمدينة، لكن التحفة الأكبر لغاودي تظل كنيسة ”العائلة المقدسة”، التي تعتبر محطة ضرورية لزائر برشلونة، والذي سيفاجأ بعبارة على تذكرة دخول مبنى الكنيسة تخبره أنه ساهم من خلال ثمن التذكرة في استكمال بناء الكنيسة، التي ما زالت أشغال البناء قائمة فيها منذ سنوات. يفخر البرشلونيون، وهم يحدثونك عن ”الأب غاودي”، عن الفن في المدينة، عن تميزهم واختلافهم عن باقي الإسبان، عن مباني برشلونة العتيقة وعن عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم الكاتالونية المميزة، التي يستميتون في الدفاع عنها والمحافظة عليها من الذوبان في بحر الثقافة الاسبانية القشتالية التي تفرض نفسها بقوة بفضل اللغة. وإذا كانت اللغة هي واجهة الهوية الثقافية وأحد أهم الأسلحة للحفاظ عليها، فإن الكتالونيين يبذلون كل جهدهم للإبقاء على لغتهم الكاتالونية حية. واجهات المحلات وقوائم الطعام في المطاعم والمقاهي تكتب باللغتين الإسبانية والكاتالونية. الشوارع والأحياء أيضا وأهم المباني تحمل أسماء كتالونية، ودراسة اللغة الكتالونية أمر إجباري في مدارس الإقليم، إلى جانب اللغة الإسبانية، التي يتحدثها كل سكان المدينة، والتي أصبح وجودها قويا في كتالونيا في السنوات الأخيرة، بسبب الأعداد الكبيرة من المهاجرين الذين يستقبلهم الإقليم من باقي المناطق الإسبانية، وأيضا من دول أمريكا الجنوبية، فغدت الإسبانية لغة أساسية للتواصل بين سكان المدينة الكوسموبوليتية، لكن تاجرا برشلونيا مسنا في أحد أسواق المدينة قد يقابلك بابتسامة لطيفة، ويعاملك بود أكبر إذا ما حدثته بالكاتالونية!"فيسكا" كاتالونيا... "فيفا" إسبانيابالإضافة إلى التاريخ والحضارة، يفخر الكاتالونيون أيضا بحاضرهم، بتفوقهم الاقتصادي، بريادتهم القانونية التي ساهمت في تحقيقها الجهوية التي تتمتع بها أقاليم اسبانيا، والتي تسمح لها بسن قوانين في الإقليم، بعد المصادقة عليها في البرلمان المحلي، دون العودة إلى الحكومة المركزية في مدريد. فكانت كاتالونيا ثاني إقليم، بعد جزر الكناري، يقر قانونا لمنع مصارعة الثيران في اسبانيا في يوليوز الماضي، وهو القرار الذي أثار معارضة قوية وسط «القوميين» الإسبان، الذين دافعوا عن هذه الممارسة بدعوى أنها جزء من التراث الإسباني، فيما كان للمناهضين لها رأي آخر، واعتبروا أن الثقافة إذا ما تعارضت مع الإنسانية فلا مكان لها في عالم اليوم. كما كان برلمان الإقليم أول برلمان في إسبانيا يتقدم بمشروع قرار لحظر ارتداء النقاب في كل أنحاء الإقليم وليس فقط في المؤسسات العمومية، كما هو معمول به حاليا، وهو المشروع الذي رفضه النواب الكاتالونيون، وأيضا جمعيات مدنية تدافع عن الحرية وحقوق الإنسان. وتطالب جمعيات ومنظمات أخرى بإجراء استفتاء رسمي حول انفصال الإقليم عن اسبانيا، وهو ما رفضته الحكومة المركزية في مدريد، في الوقت الذي أجري فيه استفتاء غير رسمي أكد أن 20 في المائة من الكاتالونيين يؤيدون استقلال الإقليم . ورغم النزعة الانفصالية التي يمسها كل شخص يعاشر الكاتالونيين لفترة، إلا أنها خفت مقارنة مع الماضي، حسب ما يؤكده عدد من الشباب الكاتالونيين، خصوصا بين أبناء الجيل الحالي، الذين، عكس آبائهم، لا يحملون غلا تجاه باقي الإسبان بسبب ذكريات الحرب الأهلية وما تعرض له الكاتالونيون على يد نظام فرانكو، هذا ما أكده لنا أحد أبناء الإقليم، الذي أضاف «ولا ننسى أن تفوق الرياضيين الإسبان في السنوات الأخيرة له دور هام في توحيدنا، خصوصا في المونديال الأخير الذي فازت فيها اسبانيا بالكأس...المنتخب كان أغلبه مكونا من لاعبي برشلونة...ولا يمكنني أن أصف لك كيف كانت الفرحة هنا في برشلونة والمئات الذين تجمعوا في ساحة إسبانيا حاملين الأعلام الاسبانية ومرددين «فيفا اسبانيا». كان الأمر رائعا».جيل اليوم تعلم أن نسيان أخطاء التاريخ طريقة ضرورية للمضي نحو المستقبل، لكنهم، بلا شك، تعلموا منها الكثير. البارصا...أكثر من مجرد نادالسياحة في برشلونة ليست مجرد موسم لاستقبال وفود من السياح من شمال القارة العجوز الذين يقصدون إسبانيا للتمتع بأشعة الشمس التي يفتقدونها في بلدانهم، كما هو الحال بالنسبة لمنتجعات ماربيا وجزر البليار الاسبانية، بل هو جزء من حياة سكان المدينة الذين ألفوا استقبال السياح طيلة أيام السنة، والذين يشاركونهم الشوارع ومحطات المترو والمقاهي الصغيرة وحتى الأسواق الشعبية، لتذوق طعم الحياة الكاتالونية، فمشهد مجموعة من السياح الانجليز يغنون في الشارع فرحا بانتصار فريق ”المانشستر” لا يبدو مثيرا في إحدى الساحات بالمدينة، ولا حتى مشهد أربعة ليبيين يحملون لافتات مناوئة للقذافي وسط شارع الرامبلا الشهير.يعرف سكان برشلونة أن مدينتهم أصبحت ”أون فوغ”، بفضل فريقها لكرة القدم، وأيضا فيلم وودي ألن ”فيكي كريستينا برشلونة”، الذي صورت أغلب مشاهده في المدينة واعتبر بمثابة دعاية عالمية ناجحة لبرشلونة. القائمون على المدينة أيضا واعون بالتغير والانفتاح الكبير الذي تعرفه مدينتهم، والهوية الجديدة التي ترتديها المدينة التجارية، والتي كان لهم فيها دور أساسي. ولا شك أن كل زائر لبرشلونة يلمس هذه النية القوية لإبراز مكامن الجمال المتعددة في المدينة، التي تمزج بين نمط الحياة العملي السريع، والأجواء الاحتفالية، في تعايش فريد ومميز. ورغم الطبيعة ”المتحفظة” بعض الشيء للكاتالونيين مقارنة مع باقي الإسبان مثل الأندلسيين، فإن الزائر لن يحتاج ربما إلى سؤال الناس للاستدلال على مكان ما، لأن مراكز استعلامات سياحية، على شكل أكشاك، منتشرة في جميع مناطق المدينة، تقدم العون للسياح، وجميع المعلومات التي يمكن أن تفيد الزائر، من محطات المترو والحافلات، إلى أهم المعالم التي تستحق الزيارة، والتي يظل ”الكامب نو” أبرزها، بل المقصد الأساسي لكثير من السياح من عشاق فريق ”إف سي برشلونة”.قد يختلف أبناء برشلونة حول كل شيء، حول الانفصال عن إسبانيا، قرار منع مصارعة الثيران، أو حتى أسماء السياسيين، ومن سيخلف ثاباتيرو على رأس الحكومة، لكن كلمتهم تتوحد عند ذكر فريق ”إف سي برشلونة”، العشق الأكبر للبرشلونيين، حتى الذين لا يبدون أي اهتمام بالرياضة، وهم فئة نادرة وسط شعب يعشق كرة القدم التي تعتبر طعاما يوميا لأحاديث البرشلونيين اللطيفة. وفي المقاهي كما في المنازل، كل الأعين، كما اللواقط الهوائية، متجهة صوب ”الكامب نو”، لمتابعة كل مباريات ”البارصا”، وتمريرات تشافي ابن ”تيراسا” الكاتالونية، أو أهداف ابن كاتالونيا بالتبني، ليونيل ميسي، الذي ربما لا يضاهيه أحد في حب البرشلونيين له سوى ”غاودي”.مغاربة برشلونةبالإضافة إلى ميسي، ”تبنت” كاتالونيا الكثير من أبناء المهاجرين الذين قدموا إليها من مختلف أنحاء العالم. قد لا يكونون يتمتعون بموهبة وشهرة ميسي، لكنهم يكنون الحب ذاته لمدينة برشلونة. المغاربة يشكلون النسبة الأكبر من المهاجرين في الإقليم، هذا ما تؤكده الأرقام الرسمية الأخيرة لعدد المهاجرين في اسبانيا، رغم أن التجول في المدينة قد لا يكون كافيا للانتباه إلى العدد الكبير من المغاربة المقيمين في برشلونة، مقارنة مع باقي الجنسيات. أحد المغاربة المقيمين في المدينة منذ حوالي 25 سنة والناشط في عدد من الجمعيات المغربية، يحاول أن يفسر الأمر بقوله ”المغاربة هم من أوائل الجاليات التي سكنت برشلونة، منذ بداية الثمانينات، لذلك فكثير منهم اندمج في نمط الحياة الكاتالوني، أما الجنسيات الأخرى، فبدأت تتوافد على المدينة فقط منذ نهاية التسعينات، منذ بداية الطفرة الاقتصادية في اسبانيا، وكثير منهم لا يتقن اللغة الكاتالونية ويعيش حياته كسائح في المدينة، رغم أنه يقيم فيها منذ فترة”، ليضيف ”الكاتالونيون شعب عملي ونشيط...دائما ما أشبههم بالمغاربة أبناء منطقة سوس”. مغربية أخرى تعمل في أحد محلات بيع مستحضرات التجميل، تقول ”على عكس باقي الجنسيات، كالباكستانيين والهنود والصينيين، فالمغاربة تجدهم منتشرين في قطاعات مختلفة، من التجارة إلى البناء وحتى التدريس والبحث العلمي”.عند بداية الهجرة المغربية إلى كاتالونيا، كانت المدينة، وإسبانيا عموما، تحاول النهوض مجددا وتجاوز مخلفات سنوات من الاقتتال في حرب أهلية طويلة. كانت استضافتها لنهائيات كأس العالم سنة 1982 الانطلاقة الحقيقية للنهضة التي عرفتها اسبانيا لاحقا، وجعلت اقتصادها من الأسرع نموا في الاتحاد الأوربي، قبل أن يتعرض لضربة قوية في السنوات الثلاث الأخيرة، بسبب تأثره بتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، والتي جعلت العديد من المهاجرين، ومنهم المغاربة، يحزمون حقائبهم للعودة إلى بلدانهم الأصلية، بسبب ارتفاع نسبة البطالة، التي وصلت إلى معدلات غير مسبوقة، فيما فضل آخرون انتظار ما ستؤول إليه الأحوال في المستقبل القريب. ”الأحوال هنا ليست على ما يرام، لكنني متأكدة أن الوضع ليس أفضل في مدينتي وجدة...كما أنني إذا عدت إلى المغرب، فلن أستفيد من الإعانات التي تمنحها الحكومة الاسبانية، وهذا هو سبب تفضيلي البقاء هنا”، تقول مغربية عاطلة عن العمل منذ فترة قصيرة، والتي لا تتوقف عن مدح مدينة برشلونة ”أنا مغربية قبل كل شيء...لكنني أيضا كاتالونية وأحب هذه المدينة جدا... أليس جميلا أن تعيش في مدينة حية كهاته طيلة السنة؟!”. صفاء النوينو