ملف الصباح

من الوزير الأول إلى رئيس الحكومة

في الظاهر، تبدو المنهجية الديمقراطية التي تقضي بتعيين الوزير الأول من الحزب السياسي المتصدر لانتخابات مجلس النواب، منصفة لتطلعات المكونات السياسية المشاركة في اللعبة الانتخابية، لكن في التفاصيل تبدو مؤسسة الوزير الأول، في الوثيقة الدستورية الحالية، مثل دودة زائدة بلا سلطات أو وظائف تقريبا، خارج تنسيق النشاطات الوزارية وبعض المهام التنظيمية. في دستور 1996 الذي حظي بـ”نعم سياسية” من طرف أغلب الأحزاب السياسية، باستثناء منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، حصر المشرع اختصاصات الوزير الأول ما بين الفصلين 59 و 65، ومن ذلك مثلا أن الحكومة تتألف من وزير أول ووزراء، ويتقدم الوزير الأول أمام كل من مجلسي البرلمان بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه، ويجب أن يتضمن هذا البرنامج الخطوط الرئيسية للعمل الذي تنوي الحكومة القيام به في مختلف مجالات النشاط الوطني وبالأخص في ميادين السياسة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والخارجية.
وينص الفصل 62 على أن “للوزير الأول حق التقدم بمشاريع القوانين ولا يمكنه أن يودع أي مشروع قانون بمكتب أي من مجلسي البرلمان قبل المداولة في شأنه بالمجلس الوزاري”، أي أن الوزير سيظل رهينا بمجلس يترأسه وجوبا الملك ويعطيه الفصل 66 من الدستور نفسه صلاحيات واسعة، وتحال عليه القضايا التي تهم السياسة العامة للدولة، والإعلان عن حالة الحصار وإشهار الحرب والإطلاع مشاريع القوانين قبل إيداعها مكتب أي من مجلسي البرلمان، كما يعهد إليه مشروع مراجعة الدستور.
وفي كل الأحوال تظل السلطة الوحيدة الموجودة بيد الوزير الأول، من خلال الفصل 65، محددة في ما هو تنظيمي فقط وتنسيق النشاطات بين الوزراء في القطاعات التي يشرف عليه هو، أي وزراء الأحزاب السياسية، وليس ما يسمى اليوم في الأدبيات السياسية وزراء السيادة، مثل الداخلية والعدل والخارجية والأوقاف والشؤون الإسلامية، التي يعهد إلى الملك اختيارهم وتعيينهم ومتابعتهم عبر أشكال مؤسساتية مختلفة.
هذا الواقع الدستوري الذي لم يرتفع منذ التأسيس الأول للتجربة الدستورية بالمغربية، ظل محل انتقاد من قطاعات واسعة من المجتمع السياسي والحزبي والمدني والحقوقي التي لم تفهم كيف تستقيم المنهجية الديمقراطية وسن انتخابات نزيهة تنبثق منها مؤسسة ضعيفة ودون صلاحيات للوزير الأول؟
وهنا، يمكن أن نفهم أحد المرتكزات الأساسية التي بني عليها الخطاب الملكي لـ9 مارس الجاري، حين شدد على تقوية مكانة الوزير الأول، رئيسا لسلطة تنفيذية فعلية، يتولى المسؤولية الكاملة على الحكومة والإدارة العمومية، وقيادة وتنفيذ البرنامج الحكومي. وبالتالي سيطرح السؤال لاحقا على زملاء عبد اللطيف المنوني، رئيس اللجنة الخاصة لتعديل الدستور، عن موقع الفصل 24 من بنية التعديلات المرتقبة، وهل يمكن أن تتعايش السلطة التنفيذية للوزير الأول مع فصل يخول للملك مثلا  “تعيين الوزير الأول، وتعيين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول، وله أن يعفيهم من مهامهم، ويعفي الحكومة بمبادرة منه، أو بناء على استقالتها”.
إن تقوية مؤسسة الوزير الأول والارتقاء بها إلى مؤسسة لرئيس الحكومة تقتضي في المحصلة التخفيف من “عناصر الدرك الدستوري” المبثوثة في طريق هذه المؤسسة حتى يمكنها أن تتحرك بحرية، وثانيا بقدرة شخص الوزير الأول نفسه على ملء كل المساحات والاختصاصات المخولة له، أي أن نحلم يوما أن نعيش تجربة الراحل عبد الله إبراهيم، أول رئيس حكومة فعلي في تاريخ المغرب الحديث، وبشكل نسبي عبد الرحمان اليوسفي الذي كان باستطاعته أن يقلب الطاولة على الجميع ويرحل إلى منفاه الاختياري بمنتجع “كان” الفرنسي إذا أحس أن شيئا عالقا باختصاصاته ومهامه.

يوسف الساكت

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق