وصفات مشعوذين "أومبورتي" عابرة للحدود ومدرة لدخل غير مراقب تعتبر الشعوذة من الحرف القديمة التي امتهنها الإنسان، وبدأت بقدرة السحرة على مصارعة الجن والتغلغل في عالمهم، وامتلاكهم القدرة على إلحاق الأذى بآخرين متى طلب منهم ذلك، ومع مرور الأيام اتسعت دائرة المشعوذين، نتيجة حصول إقبال على وصفاتهم وانتشار صيتهم، ولكن وطيلة ردح طويل من الزمن كان طالبو تلك الوصفات، هم من يتجشمون عناء التنقل عند "السحرة والمشعوذين" ولو لمسافات طويلة وشاقة، لكن مع ظهور الفضاء الرقمي لم يعودوا بحاجة إلى ذلك التنقل، حيث وفرت الشبكة العنكبوتية شقاءهم، وأضحت تمكنهم من وصفات سحر وشعوذة "أومبورتي" بل في أحيان كثيرة عابرة للحدود والقارات... إنها بكل تأكيد " عولمة للشعوذة". لما نستوقف تاريخ الشعوذة ببلادنا من المهم أن نلاحظ أنها ارتبطت في المرحلة الاستعمارية خاصة، بمحيط الأولياء والصالحين والأضرحة، سيما ما تعلق أصلا بمصارعة الجن وطرد الأرواح الشريرة، ما شجع أصلا على انتشار بيوت متخصصة في ذلك، عادة ما تكون واجهاتها مطلية بالحناء والقطران وعليها أعلام خضراء وبيضاء، وكان الباحثون عن "بركة المشعوذين" يتنقلون إليهم مسافات طويلة، بل يستأجرون ليالي مبيت بجوارهم مع ما يرافقها من إنفاق وإكراميات، لأن ذلك حتما يدخل في باب " النية باش الحاجة تكون مقضية". وكان هذا حال مجمع الشعوذة بلالة عايشة البحرية، حيث انتشرت" أكواخ سحرة ومشعوذين" لطفوا أسماءهم بصيغة مهذبة "مجاذيب"، يأتيهم الناس من كل حدب وصوب ، وهو مجمع له أمثال في مناطق عديدة، كانت مرة بعد أخرى تتعرض إلى مداهمات أمنية تعقبها متاعب لا حصر لها للمشعوذين وزبنائهم. وفي فورة العالم الأزرق الذي أضحى يمتلك قوة تأثير لا حصر لها سهلة الولوج وواسعة الانتشار، كان انخراط المشعوذين فيها في البداية محدودا قبل أن يرتموا فيها، لأنها مكنتهم من الانتقال بحرفتهم من "المجامير" إلى وصفات "أومبورتي" تعم التراب الوطني وتتعداه إلى كل بقاع المعمور. ففي مجمع لالة عايشة لم يعد بعض المجاذيب يكتفون بكتابة أرقام هواتفهم المحمولة، بل تعدى الأمر ذلك إلى نشر حسابهم الإلكتروني للعموم، وتحولت جلسات " الصارع والمصروع" من لحظة حضورية، إلى حصص معالجة على الشبكة الرقمية، تزيد كلفتها أوتنقص بحسب المدة. وفي دوار الخربة بسيدي علي بن حمدوش كان هناك "راق" يرقي خليجيين وآخرين ويرسل لهم وصفات علاجية إلى حيث يقطنون بواسطة اتصالات رقمية لعب فيها الفضاء الأزرق دورا كبيرا. بل هناك من المشعوذين من عمد إلى تسجيل حصص مفبركة بين "الصارع والمصروع" تظهر حنكته القوية في مصارعة الجن والانتصار عليه، وأطلقها في الفضاء الأزرق لتكون وسيلته في توسيع دائرة المتتبعين وطعما لاستدراج ضحايا راغبين في خدماته، وتكون تلك الوصلات الإشهارية في بعض الأحيان حصصا حقيقية تستخدم فيها كل طقوس السحر والشعوذة. وأمام هذا الانتقال المريب الذي خلقته الشبكة الرقمية، تراجع الدور الكبير لمحيط الأضرحة وبيوت الشعوذة، فاسحا المجال بشكل ملحوظ لنشاط مشعوذين انتقلوا من صبيب بسيط إلى "الفيبر أوبتيك" لإيصال خدماتهم المحظورة إلى أكبر شريحة ممكنة وأقصى نقطة من المعمور، مدعمين محتوياتهم السحرية باستدرار اللايكات لتوسيع دائرة المعجبين بمحتوياتهم، لأنها من الوسائل الفعالة لترويج بضاعتهم خاصة لدى شرائح اجتماعية يرتفع لديها منسوب الاكتئاب، الذي أضحى مرض العصر بامتياز، وفي صفوف حالمين بالسعد ومطاردة " بوار" لحقهم في تجارتهم وعلل لزمتهم في صحتهم ومآرب أخرى ... أصبحنا إذن في عالم شعوذة ينقل خدماته إلى الراغبين فيها بدل أن يتنقلوا إليه ..وتلك عولمة للسحر والشعوذة عبد الله غيتومي (الجديدة)