fbpx
الصباح الفني

المريني: حان الوقت للمصالحة بين الإعلام والمواطن

قال إن التلفزيون يجب أن يكون وطنيا يهدف إلى القرب ويبتعد عن السطحية

أكد ادريس المريني، المخرج والمنتج صاحب التجربة الطويلة في مجال التلفزيون ببلادنا، أن الوقت قد حان اليوم ليتولى المهنيون والمبدعون الحقيقيون أمور الإعلام السمعي البصري ببلادنا، ويبتعد المتطفلون وأصحاب المصالح وترتفع أيديهم عنه. وقال، في حوار خص به “الصباح”، إنه يتمنى أن يكون تلفزيوننا وطنيا  ويهدف إلى القرب والتواصل مع المشاهد بعيدا عن

السطحية والرقابة المشددة، مضيفا أن التلفزيون يحتاج اليوم إلى عقلية وتدبير
جديدين لرفع سقف  الإبداع والخلق والتحرر من الجمود، من أجل تحقيق مصالحة حقيقية بين الإعلام السمعي البصري والمواطن. في ما يلي تفاصيل الحوار:

 خرج فيلمك حول العربي بن مبارك أخيرا إلى الوجود وشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان طنجة في دورته الأخيرة. لماذا انتظرت كل هذه السنوات لتعود إلى مجال السينما منذ أول أفلامك، “بامو”، الذي أخرجته في 1983؟
أشكرك على اهتمامك بموضوع فيلمي المطول “العربي”، وهو قصة مستوحاة من سيرة حياة الحاج العربي بن مبارك، لاعب كرة القدم المغربي والدولي ما بين الثلاثينات والخمسينات من القرن العشرين.
صحيح أنه بعد شريط “بامو” الذي تطرقت فيه إلى موضوع المقاومة المغربية من خلال شخصية المناضل أحمد الحنصالي، انتظرت مدة طويلة قبل أن أكرر التجربة، وذلك بسبب تفرغي طيلة هذه المدة إلى الإعداد والإخراج التلفزيوني بحكم انتمائي الوظيفي، إضافة إلى أن إمكانياتي المادية لم تكن تسمح لي بإنتاج وإخراج فيلم جديد.

لماذا اخترت حياة العربي بن مبارك بالذات لتخرج حولها فيلما؟
سنة 1984، وفي إطار عملي في مجال التلفزيون، قمت بإعداد وإخراج برنامج “وثيقة”، الذي كان يهدف إلى التعريف برموز بلادنا التي طالها النسيان في كل المجالات مثل الدكتور المهدي بنعبود والدكتور المهدي المنجرة والمبدع عبد القادر الراشدي والشاعر الحاج أحمد سهوم والقائمة طويلة… وكان من بين هؤلاء، البطل المغربي لكرة القدم الحاج العربي بن مبارك، الذي كانت حلقته متميزة بكل المقاييس، بحيث ظل أغلبية المشاهدين يتحدثون عنها، خصوصا أن حياة هذا البطل كانت مليئة بالبطولات والمآسي في الوقت نفسه.
وقد كان هذا البرنامج التلفزيوني حافزا لي من أجل التفكير في إخراج شريط مطول عن هذا البطل الأسطوري، وهو الحلم الذي حققته بعد مرور سنوات.
هو رسالة مني إلى شباب اليوم حتى يتعرف على من رفعوا راية المغرب عاليا وأعطوا الكثير لهذا البلد.

اعتمدت على وجوه غير معروفة للعب البطولة في الفيلم. لماذا لم تراهن على الأسماء المشهورة في مجال التمثيل؟ هل يرجع ذلك إلى عدم عثورك على “بروفيلات” معينة يمكنها أن تؤدي الأدوار؟ أم أن الأمر لم يكن يتعدى تقتيرا في الميزانية؟
الوجوه المعروفة في التمثيل غالبا ما تكون لها صورة ملتصقة بالشخصية ذاتها، أما بالنسبة إلى شخصية الحاج العربي فكانت صعبة، إذ كنت في حاجة إلى ممثل أسمر اللون، يمارس لعبة كرة القدم ويمثل في الوقت نفسه، علما أنه كلما كان الوجه جديدا إلا واستقبله المشاهدون بالشكل المطلوب وتخيلوه الشخصية الحقيقية، خاصة حين يتعلق الأمر بهذا النوع من الأفلام المقارب للوثائقي.

ما رأيك في التوجه الذي تذهب نحوه السينما المغربية اليوم، في وجود أفلام أصبحت اليوم تراهن على شباك التذاكر أو على إثارة الجدل حول بعض المشاهد أو نوعية الحوار أو طبيعة القضايا التي تناقشها؟
السينما المغربية ازدهرت وتطورت خلال السنين الأخيرة بفضل تضافر الجهود، سواء من طرف الدولة التي تمنح الدعم، أو من طرف السينمائيين أنفسهم خصوصا منهم الشباب الذين وجدوا في متناولهم إمكانيات لا يستهان بها سواء على المستوى المادي أو التقني أو المعنوي. وهي كلها عوامل مشجعة من أجل الإبداع لم تتوفر لنا نحن السينمائيين الرواد، بل كان العكس تماما.

حضرت بفيلمك الدورة الأخيرة من مهرجان طنجة الوطني. ما هي الأفلام التي شدت انتباهك فعلا وما رأيك في مستوى الأفلام التي حظيت بجوائز، علما أن فيلمك خرج من المسابقة خالي الوفاض؟
فيلمي والحمد لله لم يخرج خالي الوفاض، بل خرج بأكبر جائزة حقيقية تتجلى في  الجمهور الغفير الذي حضر العرض، وكان الواقف منهم أكثر من الجالس، كما يقال. الجمهور نفسه تابع الفيلم باهتمام بالغ منذ بدايته إلى آخر كلمة في الجنيريك، بل منهم من خرج باكيا من شدة التأثر ببعض المشاهد الدرامية، وهذا ما أثلج صدري وجعلني أحس بسعادة أكثر من تلك التي كنت سأشعر بها لو نلت جائزة لجنة التحكيم الموقرة.

باعتبار خبرتك وتجربتك الطويلة في التلفزيون المغربي، ماذا ينقص التلفزيون في بلدنا حتى يستطيع مواكبة العصر الإعلامي الجديد؟ هل المشكل يكمن في التسيير أو في العقليات أو في الإمكانيات المادية…؟
إن التطور الذي عرفه الإعلام السمعي البصري، خصوصا التلفزة المغربية (الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزيون) خلال العقد الأخير، لا يستهان به إداريا و تقنيا، إلا أنه مع الأسف ورغم كل هذه التعديلات، هناك الكثير أمام تلفزيوننا يجب تحقيقه، وهو أكبر وأهم مما أنجز إلى حد الآن. إن التلفزيون هو إخبار و إنتاج وإخراج برامج تربي الذوق وتفيد عقل المشاهد المغربي وتوجهه لما هو صالح في كل المجالات، حتى لا تكون الهوة كبيرة بين ما يشاهده في تلفزيونه، وما يشاهده في قنوات أخرى أجنبية. نتمنى أن يكون تلفزيوننا وطنيا يهدف إلى القرب والتواصل مع المشاهد بعيدا عن السطحية والرقابة المشددة. ولذلك أقول إنه حان الوقت اليوم للقيام بإصلاحات حقيقية في الإعلام السمعي البصري. حان الوقت أن يتولى المهنيون والمبدعون والمثقفون الحقيقيون تدبير الأمور التقنية والإعلامية. حان الوقت ليبتعد المتطفلون وأصحاب المصالح وترتفع أيديهم عن السمعي البصري بصفة عامة، والتلفزيون بصفة خاصة. لقد حان الوقت لعقلية وتدبير جديدين لرفع سقف الإبداع والخلق والتحرر من الجمود و التكرار والسطحية.

قضيت مدة على رأس قناة “المغربية”. هل يمكن أن تحدثنا عن الإضافة التي قدمتها هذه القناة للجمهور المغربي؟ وماذا أضفت إليها أنت من جانبك حين كنت مشرفا عليها؟
قناة “المغربية” خرجت إلى الوجود لتكون صورة المغرب في الخارج والترويج لصورته الجديدة. و كانت تستهدف المغاربة المقيمين بالخارج بالدرجة الأولى، كما كانت مغربية مائة بالمائة. بمعنى أن البرامج التي تبث فيها كلها مغربية لا علاقة بها بمسلسلات تركية ولا مكسيكية ولا مصرية ولا أوربية، وهذا في حد ذاته إنجاز كبير، إلا أن الأشياء أخذت منحى آخر وبقيت القناة تبث برامجها بتوجيه من القناة الأولى وبصفر درهم كميزانية… يا لها من غرابة ومن مفارقة حين نسمع عن ميزانيات ضخمة تصرف على بعض القنوات لا يشاهدها أحد.   

القطب العمومي تعزز بالعديد من القنوات مثل “المغربية” و”الرياضية” و”الأمازيغية” وقناة الأفلام… وغيرها. كيف تجد مستوى هذه القنوات التي لا تقدم أي منتوج تنافسي للمغاربة. وما هو الدور الذي تلعبه في مشهدنا السمعي البصري في رأيك؟
كما سبق أن قلت، هناك مجهود جبار أنجز خلال السنين الأخيرة. وهي مرحلة أولى. وتبقى المرحلة الثانية، وهي الأصعب والأهم. أظن أنه آن الأوان لتحقيق مصالحة حقيقية بين الإعلام السمعي البصري في بلادنا وبين المواطن المغربي، لأنه لا يعقل أن لا يساير إعلامنا السمعي البصري كل هذه المشاريع الكبرى التي عرفتها بلادنا خلال السنوات الأخيرة، وهنا طبعا لا أعني نقل الوقائع والربورتاجات فقط، بل أعني إعداد البرامج القوية والمتنوعة وتغطية مهنية للأخبار كما يشاهدها المغاربة في القنوات الأجنبية.

تم توقيف برنامجك الشهير “نغموتاي” رغم أنه من البرامج التي كانت تحقق نسب مشاهدة هامة على القناة الأولى. ما السبب في نظرك وراء توقيف البرنامج؟
لا أعرف سببا واضحا. ربما تعلق الأمر بتقاعدي من الإدارة، علما أن المبدع لا يتقاعد إلا في قبره، أو ربما لأسباب متعلقة بنسب المشاهدة كما يقال، والله أعلم. فالتلفزيون كما قلت، هو أداة للثقافة والترفيه والوعي والتوجيه، خصوصا إذا كان تلفزيونا عموميا يقتات من أموال الدولة، أما أن نرضي فئة معينة على حساب فئات أخرى للكسب، فهذا غير معقول، ولا يمكن أن يطبق إلا على القنوات الخاصة.

تعيد القناة الأولى حلقات من هذا البرنامج سبق أن عرضت على شاشتها، وهو ما يعني أن القناة تقر بنجاح البرنامج. لماذا في رأيك شطبته من قائمة برامجها؟
يمكنك توجيه السؤال للمسؤولين عسى أن تجدي جوابا عندهم.
أما ما يؤسفني حقا هو برمجة هذه الإعادات وكأنها تبث لأول مرة، وهذا خطأ مهني بالنسبة إلي، لأن المواطنين المتتبعين يمطروننا يوميا بطلب المشاركة، وفي اعتقادهم أن البرنامج لا زال مستمرا.

عاد البرنامج خلال شهر رمضان بحلة جديدة قبل أن يتوقف مباشرة بعد ذلك. هل يمكن أن تفسر لنا ذلك؟
ربما لم يستوعب المسؤولون فكرة وتصور “التولك شو” الذي قدمه البرنامج، رغم أن القنوات المتطورة تتهافت على هذه النوعية من البرامج.

ما هي مشاريع ادريس المريني حاليا بعد الانتهاء من فيلم العربي بن مبارك؟
بصراحة إنني لم أنته بعد من فيلم “العربي”، فهناك بعض التعديلات البسيطة، وتهيئ الدعاية اللازمة لما قبل عرضه وكذا التوزيع بالقاعات السينمائية داخل المغرب وخارجه، ناهيك عن كيفية إرضاء الطلبات الكثيرة لعرضه بالمهرجانات الوطنية والدولية… إنما يمكن أن أؤكد لك، أنني بصدد تهيئ مشاريع كثيرة، فما زلت شابا من ناحية الإبداع والخلق ولن أتوقف حتى يتوقف قلبي.

أجرت الحوار: نورا الفواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق