ياسين قُطيب في الوقت الذي ينعم فيه البعض بأجواء العطلة الصيفية، يبحث البعض الآخر دون جدوى عن سبل البقاء على قيد الحياة بسبب أزمة غير مسبوقة في توفير الأنسولين لمرضى السكري، خاصة في القطاعات التابعة للبيضاء التي توقفت أغلبها عن توزيع هذا الدواء الحيوي مجانا على الفئات الهشة. لقد انقلبت خطة عقلنة التوزيع وتكليف مصالح وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، إلى موسم عذاب للآلاف من أصحاب هذا المرض المزمن. الأكيد أن الحسابات الانتخابية هي أصل الداء في الأزمة، إذ تتسبب مزايدات أحزاب المعارضة في المقاطعات والمجلس في شل صفقات شراء الأنسولين، بذريعة ضرورة تكليف مصالح الوزارة الوصية، لأنها تتوفر على بنيات التخزين وبالتالي تأجيل إبرام الصفقات إلى أجل غير مسمى. رفع المتسببون في هذه الأزمة إملاءات المجلس الجهوي للحسابات الذي أصدر توصيات سابقة بضرورة الحد من خروقات صفقات شراء الأدوية، لكن الثمن ستؤديه الأسر المعوزة في زمن تنزيل الدولة الاجتماعية. والمثال الأبرز على وقع هذه الأزمة ما يحدث في مقاطعة عين الشق التي تفاجأ سكانها بخصاص كبير في أدوية أمراض مزمنة مثل السكري وارتفاع الضغط الدموي، داخل المستوصفات العمومية، بشكل يعرض حياة المئات لخطر حقيقي. ولم تتردد هيآت حقوقية في دق ناقوس الخطر بالكشف عن أن معاناة مرضى السكري بدأت ماي الماضي بسبب انقطاع الأنسولين في مقاطعات البيضاء، وعدم تدخل وزارة الصحة وكذلك الشأن بالنسبة إلى مجلس المدينة، محذرة من أن أرواحا تزهق ببطء، وأمهات وآباء يحسبون الأيام في انتظار الدواء الذي قد ينقذ حياتهم. ورغم الوجاهة القانونية لمحاولة تحصين صفقات الأدوية، لكنها تركت فراغا صحيا خطيرا، خاصة بالنسبة إلى الفئات محدودة الدخل التي كانت تعتمد على هذه الخدمة لتأمين حاجياتها الشهرية من الأنسولين، لذلك يجب التنبيه إلى خطورة غياب بدائل لعملية ستعرض حياة مسنين للخطر، خاصة في ظل أخبار عن بداية تدهور الحالة الصحية لعدد من تلك الفئة. لا بد من الإسراع في توفير وحدات توزيع بديلة أو حلول انتقالية بالتنسيق مع السلطات، حتى لا تتحول الأزمة إلى كارثة إنسانية وصحية في أكبر مدن المملكة. ولا وقت لتبادل الاتهامات حول مسؤولية ما وقع، أو الدفاع عن قرار متسرع أو التخوف من تبعات قانونية لتجاهل توصيات مؤسسات الرقابة، لأن الأولى حاليا هو صيانة الحق في الحياة، وعدم اللعب بتوصيات صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات دون تنسيق مع وزارة الصحة لإيجاد بديل يجنب ترك المرضى في مواجهة المجهول.