في رحاب المدينة مع "با حسن لعروس" 1 في كتابه "المدينة القديمة بالدار البيضاء.. ذاكرة وتراث" حرص الكاتب المخضرم حسن لعروس، على التأريخ لذاكرة فضاء خبر مجاهله طيلة عقود وارتبط به نفسيا ووجدانيا، ليوثق لنا في هذا الكتاب تاريخ البشر والحجر والأحداث والواقع والشخوص عبر سفر ممتد في ذاكرته الشخصية وما علق بها من مشاهد وصور. عبر هذه الحلقات تأخذكم "الصباح" في عالم "با حسن" وعشقه اللامتناهي لمجال لا تحصره الأسوار المحيطة به إنه "المدينة القديمة". عزيز المجدوب تقع المدينة القديمة للدار البيضاء، على شاطئ المحيط الأطلسي، بمساحة تقدر بثمانية وأربعين هكتارا، كان عدد سكانها بداية القرن الماضي، ما يزيد عن عشرين ألف نسمة بقليل بمن فيهم مسلمون ويهود، يتعاطون التجارة والفلاحة والحرف وما تجود به الأرض والبحر. يحدها من جهة الشرق ضريح سيدي بليوط، ومقبرة "سيدي بولفعا" فهذه المقبرة كانت بداخلها قبة مبنية بشكل دائري ربما تكون للولي سيدي معروف، وهي تعود الى سنوات غابرة وأغلقت، كانت خالية موحشة مسورة بجدار قصير، وتمتد من جهة سيدي بليوط جنوبا، إلى حيث توجد سنيما الريف حاليا، وتسير المقبرة شرقا الى فندق"فرح"، لم يكن يزورها أحد لأنها كانت مكانا قفرا، تغمره الأعشاب والنباتات وأشجار "الصابرا"، كنا نسمع أن هذه المقبرة يسكنها رجل خلوي يسمى "مسعود الروايضي" نسبة إلى الروضة، ولقدمها تبعثرت قبورها وتشتت حتى ظهرت بعض العظام والجماجم فوق الأرض. كنا أطفالا نحن أبناء المدينة أواخر الأربعينيات، نتوجه إليها لاصطياد العصافير بجانب محيطها الخارجي، بالأفخاخ و"الجباد" ونتسلق السور لنرى العظام ورفات الموتى منتشرة فوق الأرض، أزيلت المقبرة بداية الخمسينيات وشيد مكانها شارع الجيش الملكي بعماراته الشاهقة، ويحد المدينة من جهة الغرب، حي كوبا و"مرزيكا" والمسبح البلدي الذي شيد على أنقاضه "مسجد الحسن الثاني"، ومن جهة الشمال، يحدها الميناء التجاري والبحري، وعلى الجهة الجنوبية، ساحة باب مراكش. من أقدم أحياء المدينة القديمة هناك حي "التناكر"، كانت كل مساكن هذا الحي قديما مبنية من الأكواخ، والأعشاب، والخيام والقصب والخشب، وكانت الحياة قاسية تغلب عليها ظاهرة الفقر والجهل والأوبئة، وأبرزها مرض السل، كانوا يسمونه "المرض لقبيح" لانتشاره وفتكه بحامله، لم يكن له علاج إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث اكتشف لقاح فعال، يسمى"ستريبتومسين وكان من أمهر الأطباء في علاج هذا الداء الخبيث، طبيب فرنسي يسمى"الدكتور شيمبو". بعد احتلال المدينة القديمة وإخضاعها من قبل القوات الفرنسية والاسبانية، قسمت إلى قسمين، قسم شرقي وأصبح خاصا بالجاليات الأوربية، ويبدأ من مقر الإقامة العامة الفرنسية، قبالة جامع ولد الحمراء، صعودا جهة الشرق، إلى ساحة القنا صلة "ساحة بلجيكا حاليا" قرب ضريح "لالة تاجة"، حيث كانت توجد فيه عدة قناصل وفنادق ومحلات تجارية وشركات أوربية، ثم ساحة الأميرال "فيلبير"، على باب لمريسى"ساحة أحمد البيضاوي حاليا وزنقة "الكومنداربروفو "الى محيط بوسمارة حيث مقر القنصلية الفرنسية، التي أصبحت فيما بعد "دار حليب الأطفال"، في هذه الأثناء بدأ النشاط التجاري والإداري بعد فرض النفوذ والتدخل الأجنبي في شؤون الدولة، فتوا فدت الجاليات وأرباب الشركات وأصحاب المصالح الأوربية ورؤوس الأموال، وشرع في تشييد رصيف مولاي يوسف لإحداث ميناء كبير يستقبل السفن القادمة من كل الدول لنقل خيرات البلاد الى العالم الخارجي، خصوصا الدولتين الجارتين، فرنسا واسبانيا، ولما ضاق القسم الشرقي داخل المدينة القديمة بالوجود الأروبي، انتقل النشاط الى فضائها الخارجي، وبدأ التشييد والبناء والإعمار من جديد، بدءا "بساحة فرنسا" على فضاء لبحيرة والباب الكبير وما جاورهما بالعمارات والشركات والفنادق والملاهي الترفيهية من مسرح ومسبح، ومنشآ ت رياضية ودور السينما، وحانات وترصيف الشوارع، واحداث الحدائق وغرس النخيل وادخال الكهرباء ووسائل الاتصال والمصالح العمومية، وتوزيع شبكة المياه وتوسيع قنوات الصرف، فكانت تلك الفترة هي بداية ازدهار الدار البيضاء وتوسيعها وتفرعها، أما القسم الغربي من المدينة القديمة، وهو خاص بالطبقات الشعبية، مسلمون ويهود، فبعد قصفه وهدمه بداية الاحتلال، ظل معزولا ومهمشا ولم يتفتح إلا بعد اعتلاء محمد الخامس عرش البلاد نهاية العشرينات.