قاتلات في ثوب بريئات 1 طفت جرائم قتل أبطالها نساء، فندت طريقة ارتكابها ومنشأ الفاعلة وتكوينها البيولوجي والعلمي، كل نظريات علم الإجرام، وباتت معها تحديدات الماركيز لومبروزو، المبنية على الميول الإجرامية الوراثية وتصنيفات العيوب الخلقية، متجاوزة. وتعدت الوقائع في بعض الجرائم الموقعة بصمات الأنثى، تصفية الضحية إلى التمثيل بالجثة أو إخفائها، والظهور بمظهر البريء، لمحو كل الآثار والبقاء لمدة طويلة في منأى عن الشبهة. جرائم أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها كادت أن تكون كاملة، لولا أن الروح «عزيزة عند الله» كما يقال في اللسان العامي... المصطفى صفر جريمة قتل برلماني بطريقة بشعة وبتواطؤ مع زوجته، ضمن الجرائم التي يمكن أن تتحول إلى دروس في علم الإجرام، لكشف الوجه الخفي لمشتبه فيهم لا يغادرون مسرح الجريمة تماما، بل يبقون مسيطرين عليه مؤثرين فيه، مستغلين الرغبة الجامحة للإعلام الإلكتروني في الحصول على السبق والتصريحات المنفردة، للظهور بمظهر البريء المظلوم، والضحية المكلوم. انطلقت فصول الجريمة ذات ليلة من ليالي فصل الربيع في 2017، عندما سمعت طلقات عيارات نارية ودوي قوي لمحرك سيارة، بكاليفورنيا، أحد أرقى الأحياء بالعاصمة الاقتصادية، قبل أن يكتشف الجيران في ذلك الزقاق الهادئ أن الأمر يتعلق بمشهد هوليودي، رجل داخل سيارته الفارهة قد انحدر رأسه جهة المقود والدماء تملأ الجنبات، ليتبينوا أنه جارهم، بل إنه رجل السياسة المعروف باسم مرداس البرلماني عن حزب الاتحاد الدستوري. استنفر الحادث الرهيب مختلف عناصر الشرطة القضائية والفرق المختصة في البحث ورصد البصمات والدلائل الجنائية، وانتشر الخبر كالنار في الهشيم، لتتداوله الصحافة الإلكترونية والورقية، وتتعدد الروايات حول أسباب ودوافع التصفية بالطريقة البشعة التي نقلت صورها إلى الجمهور. قادت زوجة القتيل أولى الخرجات الإعلامية لفرد من أقارب البرلماني، وظهرت بشكلها الأنيق وحزنها المصطنع، تروي كيف سمعت بالنبأ، وهي التي لم تكن بمنزلها، وكيف هرعت إلى مسرح الحدث والشعور الذي انتابها وهي تعلم بأن ما سمعته قبل ذلك في الهاتف حقيقة وليس خيالا، لتسترسل في الحديث عن زوجها، وتضع الأصبع حول واحدة من بين الأسباب التي يمكن أن تكون وراء الفعل الشنيع، إذ أشارت إلى فرضيات الانتقام ولمحت إلى أن السياسي دائما تكون له عداوات غير معروفة. اختارت الظهور بشكل ملفت وعناية فائقة، إذ ألحت على أن يكون التصوير داخل الفيلا، لتلتقط الكاميرا الآثاث المنزلي وتظهر نوعية الآرائك التقليدية المزركشة، كما فضلت أن تحمل صورة مركبة تظهر في خلفيتها رفقة زوجها وهو يرتدي بذلته العصرية، بينما تلبس هي قفطانا مغربيا أصيلا، وفي مقدمة الصورة تجلس إلى جانب ابنها الصغير، وظلت طيلة إعطائها التصريحات للقناة الإلكترونية تمسك بالصورة، وتتحدث ببرودة مبدية وجها حزينا مرتدية اللباس الأبيض حدادا على زوجها المغدور.