رجال ركراكة... الحكاية من السطر الأول 1 تقدم حنان ركراكي، حفيدة "سيدي واسمين"، سلطان ركراكة الأحرار، في هذا الكتاب، واحدة من تحف السرد الأنيق لقصص رجال شرفاء نسجت حولهم الأسرار والأساطير وأحاطت بهم الألغاز، وتحولت سيرهم إلى حكايات في أفواه الجدات للأحفاد. إعداد: يوسف الساكت تستمد القصة أصولها من فترة إنشاء الامبراطوريات، وترجع إلى حقبة قديمة، امتزجت فيها الأساطير بالحقيقة بشكل وثيق، ولم يستطع صخب الأسلحة أو تقلبات تاريخ الإنسان أن يوقفا نقلها من جيل إلى جيل. ولد هذا السرد في تلك الأراضي في أقصى الغرب، هنا حيث ينتهي العالم. في ليلة معتمة غابت نجومها واحتجب قمرها، وعند مولد فجر جديد على شطآن موريتانيا الطنجية، (أي المغرب الحالي)، انبثق نور من بعيد، من حيث لا نعرف، شيء غامض، لم يكن ضوء فانوس أو نور شمعة، لكن هالة تجل عجيب. كان أحد الرعاة، ويدعى إيزم، واقفا على ربوة بجانب البحر، بجانب قطيعه، حين شاهد بذهول النور البادي، ثم انطلق يعدو ليخبر أهل قريته، فجاؤوا عن بكرة أبيهم، كانت البؤرة تقترب من الشاطئ في الوقت الذي تعاظم فيه فضول أهل القرية. كانت البؤرة زورقا، وعندما استقر ذلك الزورق بجانب الشاطئ ظهر منه أربعة رجال أسرعوا بوضع أقدامهم على الأرض. كانت القرية تسمى «كوز» من بلاد حاحة وكان أهلها فصيلا من قبيلة مصمودة الكبرى، على ضفاف وادي تانسيفت المعروف بتقلباته واندفاع مياهه. شاطئ مدينة أغمات عبارة عن خلجان عجيبة ومساحات من الرمال الذهبية على طول المدى. أما الرياح فتجري بقوة، حيث لا تستطيع المراكب الرسو ولا الإبحار منه إلا في الأيام الممطرة، أو المغيمة التي تتراجع فيها غلواء موجه. ويحكى أنه في شاطئ أغمات في المكان المعروف برباط كوز، كانت البواخر تتوقف، قادمة من شتى البلدان، ثم لا تبحر إلا عند هطول المطر، حيث يتشبع الهواء بالغبار وتحتجب السماء بالغمام، وعندما تضرب الرياح تلك البواخر يكون في استطاعتها الوصول إلى بر الأمان دون عائق. لكن في ذلك اليوم، لم يكفّ القرويون المحتارون عن التساؤل حول الرجال الأربعة القادمين من بعيد، المستقرين بالشاطئ دون اصطدام، أو عناء وفي جو هادئ، فقد أحاطوا بهم وسمحوا لـ»بايا»، المرأة الفاضلة والحكيمة بالحديث. كانت «بايا» محل إجلال من أهل القرية الأمازيغ، رجالا ونساء، معروفة بين الجميع بصلاحها وصدق لهجتها، وإذ رأت في منامها رؤيا قبل قدوم أولئك الغرباء فإنها كانت تنتظر هذا الحدث وتتشوف إليه وإن لم تخبر برؤياها أحدا. لم تكن لتشارك أحدا بأحوالها ورؤاها، لكن هيئتها ونمط لباسها وحلي زينتها، كل شيء فيها يشي بأنها مُحدَّثة، رغم من أنها لا تحدث إلا بالبشائر وأمارات السرور. أدركت بايا بسرعة اللهجة الإيبيرية التي تكلم بها الرجال الأربعة بصوت خافت، وفهمت ما تحدثوا به من مخاطر رحلتهم البحرية، والسبب الذي ألجأهم للنزوح من بلدهم الأصلي، وكيف قادتهم العناية الإلهية إلى هذا المكان. لم يكن أحد من أهل القرية ليعرف ذلك. عرضت عليهم بايا كوخا وأغطية لكن الرجال الغرباء اعتذروا برقة مفضلين نصب خيمة على مشارف القرية. كان الكرم وحسن الوفادة أمرا مقدسا عند أهل القرية، لذلك لم يتوانوا في تقديم العون للغرباء الذين لم يكن مظهرهم المتواضع ليخفي شرف ونبالة أصولهم. كان الجانبان يكتفيان بمجرد النظر دون الدخول في الحديث، لكن بمرور الوقت اعتادوا على بعضهم، وأصبح الغرباء أكثر اندماجا بفضل نباهتهم وحذقهم في تعلم مبادئ اللغة الأمازيغية. استشارة "بايا" في إحدى الأماسي نادى «أكرّام»، وهو شيخ القرية، الأهالي وكان قد عزم في الليلة السابقة على استشارة «بايا»، لكنه فوجئ بها في المقدمة وهي مطلعة على القصة العجيبة لأولك الغرباء الهاربين. كان شيوخ الجماعة ينصتون باهتمام لأصغر الغرباء سنا وهو يحكي قصتهم، كان يتحدث عن ظروف هروبهم من «إيبيريا» بعد أن قسّمتها الانحرافات العقدية. وكان الصراع بالأساس حول قضية المسيح هل هو ذو طبيعة بشرية أم إلهية. كان الراهب المسيحي أريوس وزمرة من إخوانه يعتقدون بأن الإله واحد أحد لم يلد ولم يولد، وإن من شيء إلا وهو مخلوق بإرادته تعالى، وبسبب عقيدتهم تلك تم اضطهادهم. وكان خصمهم أتناسيوس السكندري قد أقنع الإمبراطورية الرومانية بتبني التثليث الذي صار العقيدة الرسمية للكنيسة، وصار المسيح بحسب ذلك ابن الله. فلما توفي أريوس فرّ كثير من أتباعه خاصة ألكوين وباقي الخلص من صحابته، ميجان، أردوين أرتيوس.