السجون... الفضاءات والهندسة المعمارية 5 يكانت في حالة يرثى لها وعددها الضئيل فاقم الاكتظاظ عتبر «المبنى السجني بالمغرب: الفضاءات والهندسة المعمارية»، من أهم إصدارات المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، أشرف على تأليفه الجيلالي العدناني وسليمة المنجرة. يقرب هذا الإصدار القارئ من التطور الحاصل في المنظومة السجنية، خلال تقديم معطيات حول أماكن الاعتقال وتطور بنياتها منذ فترة ما قبل الحماية إلى الوقت الراهن. في هذه الحلقات، نقدم مقتطفات من هذا الإصدار، سيما الجزء المتعلق بتاريخ المبنى السجني بالمغرب. إيمان رضيف انتقل الجيلالي العدناني، في هذا الإصدار إلى الحديث عن واقع السجون بعد الاستقلال، مشيرا إلى أن المملكة، بعد 1956، عملت على أولوية إعادة صياغة الترسانة القانونية والتنظيمية لإدارة السجون. كانت هذه الأخيرة تخضع، حتى ذلك الحين لسلطة مدير الأمن العمومي. وهذا يعكس الانشغال بمقتضيات الردع في العقيدة الاستعمارية. بينما في فرنسا كانت السجون ملحقة بوزارة العدل منذ 1911. وكانت سلطة الحماية تبحث عن تقنين يتكيف مع النظام الاستعماري، ولم تسع إلى إعادة انتاج النموذج المطبق في فرنسا. كان النظام الاستعماري والاستعمار بأقل تكلفة هما أساس كل المبادرات الهادفة إلى إصلاح الإطار السجني. وبالتالي، كان إلحاق إدارة السجون بوزارة العدل، بموجب الظهير الشريف المؤرخ في 16 أكتوبر 1956، نابعا من مبدأ عام للتحرر من الشبكات العقابية الاستعمارية الجامدة في فصل عرقي وفي عقلانية أجنبيين عن المملكة ولا يكترثان بالبعد الاجتماعي ولا بإصلاحية السجون. واجهت إدارة السجون، حسب ما جاء في الإصدار، طيلة بداية الاستقلال مشكلة كبيرة تتعلق بتقلص أعداد الموظفين المؤلفين أساسا من الأطر الأجانب، الذين فضلوا الالتحاق بفرنسا. وقد جرى الإبلاغ عن هذا التدفق من طرف إدارة السجون الفرنسية في مرات عدة منذ نهاية 1956. ما بين 1956و1999، تم بناء 27 مؤسسة عقابية فقط، وأغلقت سبع أخرى، بسبب تهالكها أو لعدم تكيفها. كانت تلك الفترة بالغة التعقيد على المستويين السياسي والمالي. وجرى الاكتفاء بإعادة تهيئة وترميم جزء كبير من الحظيرة الموجودة الموروثة عن الاستعمار. وتكشف وتيرة البناء عن مصاعب عالم السجون، في ما بين 1956 و 1965، إذ تم تشييد 12 سجنا، أما بين 1966 و 1975، فقد رأت النور مؤسسة واحدة فقط. وشهد العقد التالي (1976-1985) إنشاء خمس مؤسسات عقابية، بينما ظهرت إلى الوجود 10 سجون جديدة ما بين 1986 و 1999. وزاد هذا الوضع من تفاقم ظاهرة اكتظاظ السجون، وكانت حالتها، يرثى لها، وأصبح الازدحام وتهالك البنايات مثيرا للقلق بشكل متزايد، إلى جانب التوزيع الترابي غير المتوازن على مستوى البلاد. ورغم إعادة التوجيه نحو السجون الإصلاحية وإعادة تعريف العقوبة، لم يعرف التصور الهندسي المعماري العقابي أي تطور ذي معنى في هذه الفترة. لقد تمت بطريقة عامة، إعادة إنتاج الخطوط العريضة لمبنى السجن الاستعماري. في الواقع، لم يكن البرنامج المادي للبنايات ضعيفا فقط ولا يسمح بأي تفكير جذري أو أي إثراء جوهري للموضوع، بيد أنه، وقبل كل شيء، كان على مثل هذا الإصلاح أن يشمل أيضا الأساليب والبنايات والتجهيز، وكذلك الموظفين وتنظيم العمل. وجاء في حصيلة تقرير خاص بالأوضاع في السجون الصادر سنة 2004، أنه خلال الهندسة التي بنيت بها السجون، حضر الهاجس الأمني بشكل كبير، الأمر الذي يترتب عنه حجز السجناء في زنازين وعنابر وتمكينهم من الفسحة لمدة ساعة فقط، ما يضطرهم إلى قضاء بقية اوقاتهم في فراغ قاتل. كما تشكل البنايات العتيقة خطرا على نزلائها، من حيث قدمها ورطوبتها وعدم انتظام صيانتها وعدم توفرها على المرافق الضرورية وعدم ملاءمة عنابرها وزنازينها للشروط المتطلبة قانونا.