رومانسيات من دفاتر سيرة ذاتية 5 عانق في الحي المحمدي عمائم الجدات وعبق الملاحف والوشم وعطر الحناء هي المرة الأولى التي يبوح بها قاض، عن طفولته ويتقاسمها بكل تفاصيلها. طفولة رسمت شخصية عبد العزيز فتحاوي، الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالبيضاء، التي جعلت منه ذلك المسؤول القضائي، الذي يجمع بين حنكة القاضي والمسؤول والشاعر، طفولة بصمها والداه بكل تفاصيلها. في كل حلقة تجد انجذابا من نوع آخر، يأخذك بين سرد لشاعر اختار كلماته للتعبير عن مرحلة مهمة في حياته، كانت البداية في كل شيء وشهدت العديد من الأحداث المهمة، بلورت حياته بجزئياتها، وأكدت أن القدر دائما يحدث الشيء الجميل، حتى وإن تخللته بعض العثرات. كريمة مصلي انبهر الولد بعالمه الجديد، عالم الحارة، حيث عبق الشرق والتاريخ، حيث النفحة البدوية بمسحة إفرنجية محتشمة، لعلها ومضات أندلسية أهدرتها ذاكرة التاريخ، هناك تشرب الولد الأصالة في أقداح من طين وتبر، وهناك انساب من صرحه الفردوسي الحالم إلى واقع من شخوص وطقوس دافئة، هذا العالم الجديد خضرم كيانه، فغدا ذاك الفتى الذي عليه الآن، يتيه بين واقع بلون الثرى وبأنفاس أنس وردي، وبين خيالات مرمرية تخترق به جلال السحاب، قد تذكيها نغمة حانية أو لحظ غجري، وقد يركن لماما إلى عالمه هذا إذا زمجر الواقع وتلفع أسمال الفجور. في الحي المحمدي عانق الفتى عمائم الجدات، وعبق الملاحف والوشم، وعطر الحناء على المعاصم، وتشرب دفئا صاخبا بمزيج من العفوية والنأي عن الرفاه، يخالطه عطر التراب والحصاد والمراتع، خصوصا لما تحل جدته محملة بألبانها وديكتها، فتاقت نفس الفتى لزيارة البادية . من دفء إفرنجي ببوسيجور بطعم العطور الباريسية، وحفيف أشجار الصفصاف والزيزفون، ومن همس نسمات مستوردة، إلى دفء أصيل بالحي المحمدي، بلون السنابل في البيادر، وبلون السراب لما يجلده فيح العصاري، وبريح الثرى لما تدكه الحوافر، تأرجح الولد بين هذا وذاك . ولعله انتشى حتى الثمالة بعالمه الجديد، الذي عاشه شهريارا، بل فاقة بأن كان نهاره كألف لياليه . فقد كان بيت الخال والخالة ملتقى شبه يومي لكل العائلة، تؤثثه الجدة أو "نانا " كما كان يناديها، إضافة للبدو الوافدين من ربوع الشاوية الفيحاء بسهولها الطيعة كخد ولادة لما شاع صحنه للقبل . استأنس الفتى بالليالي السمرية ببيت الخال، والتي كانت تمتد إلى ما بعد الغسق، كان يسبح في ملكوت من الأساطير الخرافية، صورها حكي الجدة كعالم مخملي من الجن والملائكة، وتعلق بهؤلاء البدو، حتى إنه تعقبهم في إحدى الليالي ليسبر قلاعهم السحرية، ولم يستفق إلا على صفعة على خده من الخال، مازال صداها يعوي في صروح ذاكرته إلى اليوم . كانت نفس الفتى تواقة لاكتشاف هذه البادية التي اختزلها في ديك جدته، بألوان ريشه الزركشية، والتي كانت للفتى كلوحة من قطوف نيسان، أخذت بلباب مخيلته الفتية، والتي كانت ترقص منتشية كغادة همس الوجد في خلدها، خصوصا لما يصيح الديك وينفش ريشه . لم يكن الفتى حينها قد تجاوز الرابعة من عمره، لم يكن ولج وقتئذ لا مدرسة ولا كتابا، وكان يحسب العالم هو هذا النعيم الذي يرفل فيه، ما بين حضن أمه الدافئ كعش من أيك وريش، وبين حكي جدته الأسطوري الذي يأخذه فوق سحاب من بلور، وعلى أجنحة من سندس، وهذا السمر الخرافي الذي يرديه حالما منتشيا كأشعة الشفق لما تحضنها ليالي الخريف . استأنس الفتى بهذا العالم وأحس أنه ينتمي إليه، وإن ظلت مسحة الأحياء الإفرنجية تطبق على طباعه، وتسمو به أحيانا إلى عوالم شاعرية تجردت الطين والثرى، ولعل هذه العوالم هي التي طبعت ملكته الشعرية والأدبية . وجاء اليوم الموعود لاكتشاف القلاع السحرية للبدو الوافدين.