شرعت الضابطة القضائية في التحقيق مع رؤساء الجماعات، الذين أحيلت ملفاتهم، في وقت سابق، من قبل مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات، على القضاء، وهي الملفات التي تضمنتها تقارير وأبحاث المجلس الأعلى للحسابات. ولم يستبعد مصدر مقرب من وزير العدل والحريات أن تبدأ محاكمات بعض مسؤولي المؤسسات العمومية ورؤساء جماعات محلية وغرف مهنية، سبق لقضاة المجلس الأعلى للحسابات أن أنجزوا في شأنهم تقارير تتضمن خروقات، مطلع السنة المقبلة. وقال المصدر المقرب من الرميد الذي كان يتحدث إلى «الصباح»، إن بعض المحاكم أضحت عاجزة عن الاشتغال في موضوع محاربة الجرائم المالية، مشيرا إلى إلغاء محكمة العدل الخاصة، وتشكيل 4 غرف جنائية متخصصة في الجريمة المالية. وأضاف المصدر ذاته «اليوم خرجنا من المحكمة الاستثنائية، ومن سلبية المحاكم غير المتخصصة، وأضحى لنا قضاة متخصصون في هذا النوع من الجرائم». ومن المتوقع أن تتجدد المعارك بين الرميد وفريق «البام»، خصوصا بعد تسرب معلومات من داخل فريق الأصالة والمعاصرة، تتحدث بحسرة عن استمرارية وصاية السلطة التنفيذية في شخص وزير العدل والحريات، نائبا لرئيس المجلس الأعلى للقضاء، ورئيسا للنيابة العامة يفقد القضاء نبله ونزاهته لصالح المصالح السياسية الانتخابوية، ويصبح الهاجس الانتخابي هو المحرك للعديد من القرارات. وسبق أن أثار هذا الموقف الذي عبر عنه محمد لحميدي، القيادي في حزب «البام» تحت قبة البرلمان، غضب الرميد وجعله يتدخل بقوة، للرد على هذه الاتهامات وأحكام القيمة الجاهزة. وقال لحميدي إن «الجهة المختصة دستوريا بوضع تقارير حول وضعية القضاء ومنظومة العدل، وإصدار التوصيات الملائمة بشأنها هو المجلس الأعلى للسلطة القضائية تطبيقا لمقتضيات الفصل 113 من الدستور، وبالتالي، فالعمل بمنطق استمرارية الوضع القائم دون ملاءمته مع أحكام الدستور اغتيال لمسيرة الإصلاح وتكريس للهيمنة السياسية على أعمال القضاء». وتساءل المتحدث نفسه حول مدى التفعيل الحكومي للتوجهات الملكية في مجال إصلاح منظومة العدالة والقضاء، وذلك من خلال مآل إنشاء مجلس الدولة، قصد تتويج الهرم القضائي والإداري، حتى يتسنى مواجهة كل أشكال الشطط ضمانا لسيادة الشرعية ودعم الإنصاف بين المتقاضين، وغياب تفعيل قانون المسطرة الجنائية من أجل تكوين وتأهيل قضاة تنفيذ العقوبات لمتابعة سلوك السجناء التائبين والإسهام في توسيع فرص الإفراج، واعتماد القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة. كشف لحميدي في تدخله استمرار مظاهر المساس باستقلالية القضاء، بعد دستور فاتح يوليوز 2011، وذلك من خلال التحكم في الحياة المهنية للقضاة، حيث إن مراقبة وزارة العدل لكل مسلسل القضاء والتكوين يخلق القناعة لدى القاضي المبتدئ بأن مخاطبه الرئيسي الذي يتحكم في مصيره هو وزارة العدل، وبأن المجلس الأعلى للقضاء في صيغته الحالية التي لا تتلاءم مع الدستور الجديد، هو سلطة غائبة إلا في مناسبات شكلية قصد المصادقة على منتوج جاهز وكامل. كما أن مسألة الترقية والتعويض بين أيدي رؤساء المحاكم ووزير العدل، حسب القانون الصادر بتاريخ 15 يوليوز 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي، وعلى أساس هذه النقطة وتقييمها من قبل وزارة العدل التي تمسك بملفات القضاة يضع وزير العدل بحرية لائحة القضاة المرشحين للترقية، أضف إلى ذلك أن سلطات وزير العدل، في غياب معايير دقيقة في مجالات التعيين والانتداب والنقل، تشكل وسيلة خطيرة للضغط على القضاة الذين لا تتوفر لهم دوما الشجاعة أو الاقتناع بجدوى اللجوء إلى المحاكم الإدارية في حال الشطط في قرارات الوزير، في انتظار ضبط هذه المجالات في القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة.عبد الله الكوزي