عبد الوهاب لاشخم قاض جنائي مختلف كيف كان إحساسكم، والقاضي ميكو ينطق ببراءتكم وإنصافكم؟ هو الإحساس نفسه، عندما كنت أعاينه في عيني المتهم لحظة تبرئته، لقد كانت تلك اللحظة حقيقة لن تنسى، أحسست بقشعريرة وفرحة لا توصف، والقاضي ميكو رحمه الله ينطق "عار أن يمثل قاض كهذا أمام المجلس"، قال ذلك قبل 10 دقائق من المداولة ، حينها وجه إلي أحد أعضاء المجلس سؤالا حول سبب عدم احترام مذكرة الوزارة، وأجبت أنني لم أطلع عليه، ولو علمت بها لطبقتها. فإذا بالقاضي ميكو، رحمه الله يرد علي قائلا "أنت قاضي دافعت باستماتة عن استقلاليتك، وأنت الآن تتراجع عن أقوالك، وتبدي استعدادا للاستجابة لمذكرة الوزارة حتى ولو خالفت القانون، مع أن القانون أكبر من مذكرة الوزارة ". ولا أخفيك سرا إن قلت إن هذا التعليق من المرحوم ميكو لم يفارق ذاكرتي ومخيلتي طيلة مساري المهني، وقد أخذت به في العمل في جميع القضايا والملفات التي عُرضت علي. وهل باشرتم مهامكم القضائية في ما بعد دون مضايقات أو التضييق من حريتكم كقاض؟ لم أتعرض في حياتي المهنية لمضايقات من أي جهة، وبالتالي فهذا الأمر مستبعد، كل ما في الأمر أن أمورا حدثت من قبيل سحب ملف معين مني ومنحه لقاضي آخر، حتى يتم تجنب أحكامي أو شيئا من هذا القبيل، ولم أكن أبدي أي رد فعل إزاء ذلك، وهو ما ندمت عليه في ما بعد. هل استفدتم من الترقية، وما هي أعلى درجة بلغتموها في سلك القضاء؟ نعم استفدت من الترقية رغم تأخرها، لكنني حصلت على حقوقي كاملة، كما أنني ترقيت إلى الرتبة الاستثنائية، وهي أعلى رتبة يحصل عليها القاضي، وتكون لرؤساء محاكم الاستئناف والوكلاء العامين في محاكم الاستئناف ورؤساء الغرف في محكمة النقض.في البداية انتقلت إلى محكمة الاستئناف بالرشيدية في النيابة العامة قاضيا واقفا. وما زلت أتذكر أنني كنت لا أتردد في طلب البراءة للمتهم في حال عدم وجود أدلة لإدانته رغم معارضة المحامين والقضاة، فقد كان هذا غير معتاد من النيابة العامة، إذ كان الجميع، متقاضين وقضاة ومحامين يعتقدون أن على النيابة القيام بدور"الغراق " كما يقول العامة، مهما كانت طبيعة الملف ومدى توفر الحجج من عدمه. هذا يعني أنكم واجهتم المتاعب كذلك وأنتم قاض في النيابة العامة؟ أن يطلب قاضي النيابة العامة البراءة للمتهم شيء لم يكن معمولا به، وهو ما خلق لي بعض المتاعب مع بعض رؤسائي المباشرين، لكنهم رضخوا للأمر الواقع مع توالي الأيام. كما كنت أطلب تحديد العقوبة. إن الرأفة بالمتهم مطلوبة، كما أن القانون لا يعارض ذلك. وأعتقد أن النيابة العامة تبحث إن كان المتهم مذنبا أو غير مذنب، لهذا كنت ألتمس الرحمة والرأفة للمتهم والحكم ببراءته، أو تشديد العقوبة في حال كانت الجريمة ثابتة ووسائل الإثبات دامغة والوسيلة المرتكبة أثناء الجريمة بشعة. وحتى عندما انتقلت إلى القضاء الجالس، كنت أميل للبراءة في أحايين كثيرة والتشدد في حال وجود وسائل إثبات ثابتة. وأتذكر أنني أصدرت أحكاما ببراءة مسؤولين في قضايا ذات حساسية انتخابية وسياسية أدينوا في غرفة الجنايات الابتدائية ب10 سنوات، بعد متابعتهم بالتزوير وعدة متابعات. لكنني برأتهم جميعا في غرفة الجنايات الاستئنافية. وهل خلقت هذه الأحكام جدلا داخل المحكمة، وعلى أي أساس استندتم في تبرئتهم؟ لم تكن هناك وسائل إثبات واضحة ودامغة، كما أن أركان الجرائم غير متوفرة، لهذا قررت الاحتكام إلى القانون. وأصدقك القول إن هذه الأحكام لم تخلق جدلا فحسب، بل ساءت علاقتي بالنيابة العامة من خلالها بشكل كبير، حتى إني لقبت بقاضي "البراءة"، وأكثر من ذلك أنني كنت مستهدفا من قبل لجنة التفتيش مرة كل سنة تقريبا للاطلاع على جميع ملفاتي للوقوف على حقيقة الادعاءات، دون أن يعثروا على مخالفة ربما تدينني، لسلامة موقفي سواء من الناحية القانونية أو الواقعية. أجرى الحوار: عيسى الكامحي