عبد الوهاب لاشخم قاض جنائي مختلف غادرتم بعد ذلك إملشيل، هل زكت هذه التجربة قناعاتكم المهنية وممارستكم القضائية؟ عينت في إملشيل في مركز القاضي المقيم، المعمول به منذ الاستعمار، إذ أحدث هذا المركز عام 1974، حتى بداية التسعينات، قبل إحداثه مجددا. ولإطلاع القارئ أكثر على قرية إملشيل، فهي قبيلة تسمى أيت حديدو، وتعد من بين أواخر القبائل التي سقطت تحت سلطة المستعمرين ، فأبناؤها حساسون ينتفضون بسرعة إذا مست كرامتهم. ويحكى أن أحد دواويرها واسمه "الشونتات" كاد يدمر بالكامل من قبل العسكر، قبل أن يتلقوا تعليمات في آخر لحظة بعدم قصفه، والدوار معروف بنضالات أبنائه، علما أن لجنة الإنصاف والمصالحة أنصفت بعضهم في إطار ما عرف بجبر الضرر. كيف كانت تجربتكم في إملشيل، وهل تتذكرون بعضا من الأحكام التي مارستم عبرها هامش قناعة القاضي وحريته النسبية في تكييف القانون؟ مازالت أتذكر إملشيل ومحكمتها التي كانت عبارة عن مكتب بسيط، وفي جانبه دكان لبيع المواد الغذائية. أتذكر عندما يفتح البائع باب دكانه، فإن باب المحكمة يغلق أوتوماتيكيا، بسبب وجودهما جنبا إلى جنب. كان بالمحكمة كاتب من الدار البيضاء لم أعد أتذكر اسمه يتكلف بجميع القضايا وعلى علم كبير بأحوال بسكان المنطقة. يجلس أمام باب المحكمة ولا يسمح بالدخول إليها إلا بالتناوب، علما أن الجلسة تكون عمومية. كما أتذكر أنه كان في منطقة الريش مركز اسمه "أوتربات"، كنا نذهب إليه مرة كل شهر من أجل جلسة تنقلية، وكان به قائد اسمه الرحماني يهيئ لنا وجبات الفطور والغذاء والعشاء، كما ينظف قاعة الجلسة، باختصار كان يتكلف بجميع الإجراءات الضرورية.كان هذا القائد يحضر الجلسة ويجلس في كرسي بين المتقاضين والقاضي. وذات يوم قدم شكاية إلى النيابة العامة ضد شخص بتهمة إهانة موظف عمومي. مثل المتهم أمامي والقائد جالس في الكرسي المخصص له. وبينما نفى المتهم جملة وتفصيلا ما جاء في المحضر، نهض القائد من مقعده لدحض ادعاءاته. ولم يكن بوسعي إلا أن آمر القائد بالجلوس فورا والتزام الصمت أو مغادرة القاعة فورا. (يضحك) أتدرون ماذا وقع، طلب المتهم مني الحكم عليه بالإعدام، فقط، لأن القائد طرد من القاعة، وكأنه حقق ما يريد. أما القائد، فعاد إلى منزله وحضر لنا وجبة الغذاء، لكنه لم يستسغ طرده، وقال إنه يوم أسود في حياته. والحق أن القائد الرحماني كان رجلا متزنا وبعيدا عن كل الشبهات. ألا تعتقدون أن ممارستكم للقضاء كان يعتريها بعض التمرد؟ تبدو كلمة التمرد كبيرة جدا وقاسية نوعا ما، إذ كنت أمارس اختصاصاتي وفق ما يقتضيه القانون والعادات والتقاليد وطبيعة المنطقة.حدث يوما أن مثل أمامي شخصان متنازعان حول عدم أداء المشتكى به ثمن ثور لفائدة المشتكي. ولما استفسرت عن قيمة المبلغ أجاب الأول ب70 ألف ريال، ثم واصلت هل هناك وثيقة تثبت وجود بيع وشراء، لكنهما نفيا ذلك، وأكثر من ذلك أقر المشتكى به بما بذمته، وعدم قدرته على دفع المبلغ. قلت لهما إن أي مبلغ يتعدى 250 درهما يجب أن يدون في وثيقة حتى تكون حجة ثابتة، ورد علي أحدهما “منين المخزن دار هذا القانون خاصو يدير البراح في السوق باش نعرفوه جميع"، بمعنى أن بعض الأحكام يجب أن تأخذ بعين الاعتبار المنطقة وعاداتها، لهذا دفعني ذلك إلى عدم تطبيق النص القانوني حرفيا في بعض الأحيان، وبالتالي لن نسمي ذلك تمردا. أجرى الحوار: عيسى الكامحي