حكايات عن المخزن القديم والقادم!!! في إحدى الجلسات الحوارية، على قناة عمومية، وقبل دقائق معدودة، من بداية البث المباشرة للحلقة. بينما كان مقدم البرنامج، الشهري، مصطفى العلوي، يرتب أوراقه، في انتظار بدء البث، خاطبه أحد الحضور، وهو مسؤول حزبي وناشط سياسي، "أسي مصطفى واش كاتسنا تعليمات المخزن القديم" ، في إشارة تأخر بدء الحلقة، فكان رد مولاي مصطفى، قويا ومعبرا، "احنا المخزن القديم وانتوما المخزن القاااادم!". لم يتوقع أحد أن يجيب الصحفي بكل هذه البديهة، صمت الجميع، وبعد أن استوعبوا مضمون الجواب، انفجر "البلاطو" ضحكا، وتبادل السياسي اليساري والصحافي، الرسالة التي وصلت إلى الجميع ذلك المساء.وفي واقعة أخرى، حكى عبد الواحد الراضي، في حوار أجريته معه، حين كان وزيرا للعدل، أنه خلال زيارة إلى الجزائر، ضمن وفد رسمي، استقبله الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة. وأثناء تناوله الكلمة، خاطب بوتفليقة عبد الواحد الراضي، بالقول:"بناء الدولة في الجزائر تعترضه مشاكل، لها علاقة بنظرة الجزائريين إلى الدولة"، فالنضال والكفاح ضد الأجنبي، بعد سنوات طويلة من الاحتلال العثماني، وقرن من الاستعمار الفرنسي للجزائر، ما يزال الجزائريون ينظرون بريبة إلى الدولة، رغم الحصول على الاستقلال". وقبل الانتهاء من كلمته، توجه بوتفليقة إلى الراضي، مخاطبا: "من حسن حظكم أن لديكم المخزن في المغرب، يدبر شؤون الدولة ويحتمي به المغاربة".لفظة المخزن تعني الكثير بالنسبة إلى المغاربة، فهي تعبير عن سلطة الدولة، وهي انعكاس لهبة المؤسسات وسطوتها، وهي أيضا طقوس وتقاليد قائمة بذاتها داخل المؤسسة الملكية. وقد جاء في كتاب "المخزن في الثقافة السياسية المغربية"، للباحثة هند عروب، "لقد مكن التاريخ الطويل للمخزن من أن يراكم معرفة عميقة في تسيير دواليب الحياة السياسية، وكافة مجالات المجتمع، مما جعل إرث الثقافة السياسية المخزنية، إرثا ساري المفعول في المعمار السياسي الآني، وهو إرث شكلته البنيات والخطاطات التقليدية لمغرب ما قبل الاستعمار، ورسخه التخطيط الاستعماري إلى جانب بعض المقومات العصرية، الشيء الذي جعل من المخزن جهازا تقليديا عصريا، إذ ضخت فيه دماء في مرحلة الاستقلال، مكنته من العودة بقوة إلى الهيمنة على المجالات، فالمخزن لم تتبدل طبيعته بل ترسخ وجوده بفضل الآليات المؤسساتية، باعتماد الشرعية الدينية والتاريخية، ثم لعب دور الرعاية ومراقبة المواطنين".وفي "مجمل تاريخ المغرب"، لعبد الله العروي، يعتبر أستاذ التاريخ، أن فكرة المخزن ارتبطت بفكرة الدولة نفسها، فهي "كانت تطلق في مجموع أرض المغرب، على هيأة إدارية وترتيب اجتماعية، وعلى سلوك ومراسيم"، مضيفا أن المخزن، كمصطلح له دلالات مختلفة، حصرها في شقين، الأول يعبر عن البيروقراطية والجيش والقوة، وكل من يتقاضى أجرا من خزينة السلطان، ومدلول ثان، يعبر عن تنظيم إداري للجماعات المكونة للمخزن، من قبائل وأعيان وشرفاء وجيش. وهكذا تجمع الدراسات على أن كلمة المخزن، ليست حديثة في القاموس السياسي، وإنما هي قديمة قدم تأسيس الدولة، غير أن التحولات التي وقعت والجدل الذي يثار حولها، يعيدها إلى الواجهة، ويطبعها بصفات حديثة، كقول المخزن الاقتصادي.لقد دفعت التحولات الاجتماعية والخصومة السياسية، إلى تحويل لفظ المخزن، عن معناه الطبيعي، بوصفته مؤسسة قائمة بذاتها لحماية الدولة والمواطنين، فأصبح يوظف بشكل سلبي، للتدليل على افتقاد الاستقلالية في القرار الحزبي. وقد أبدعت أحزاب اليسار، في السابق، في نعت الأحزاب الليبرالية بأحزاب المخزن، لاتهامها بالولاء إلى الإدارة/ الدولة، وما نتج عن ذلك من تزوير للانتخابات وتقوية لنفوذ هذه الأحزاب الإدارية، وهو توصيف خطير جعل "المخزن" جزءا من اللعبة السياسية، يمارسها بواسطة هذه الأحزاب. إحسان الحافظي