قامت المحاكم الإدارية خلال السنوات الأولى من نشأتها، بدور خلاق بفضل اجتهاداتها المتميزة في حماية الملزم ضد بعض تعسفات الإدارة الجبـائية، وعملت على تفسير النصوص الضريبية لصالحه، إذ على غرار تفسير الشك لصالح المتهم في المجال الجنائي، والالتزام بالدين لصالح المدين في المجال المدني، لم تتردد المحاكم الإدارية (وخاصة المحكمة الإدارية بالرباط آنذاك) في تفسير الالتزام الضريبي لصالح الملزم عملا بقاعدة التفسير الضيق للنص الجبائي سواء في شقه المتعلق بالتأسيس أو شقه المتعلق بالتحصيل بما فيه إيقاف تنفيذ إجراءات التحصيل مؤقتا. دور القاضي الإداري مهم في إعادة التوازن بين حماية الملزم وحماية المال العام إذا كانت نفسية بعض الملزمين تتضايق من التزامهم الضريبي، فإنهم قد اجتهدوا في ابتداع أساليب التهرب سواء للحد من قدر الضريبة أو التخلص منها نهائيا، وساعدهم في ذلك الإكراهات التي تعاني منها الإدارة الجبائية، وفي بعض الأحيان الاختلالات الناتجة عن سوء تسيير مرفق الإدارة المذكورة سواء عن قصد أو بغير قصد، كما ساعدهم أيضا ضعف بعض النصوص الجبائية التي لم تفلح في وضع حدود فاصلة بين الالتزام الضريبي والتهرب الضريبي، ومسؤولية كل من الملزم والإدارة الضريبية عن هذا التهرب. وأمام هذا الوضع، يبقى دور القاضي الإداري مهما في إعادة التوازن بين حماية الملزم وحماية المال العام، وذلك انطلاقا من دور العدل المنوط به في إطار الحفاظ على القيم الاجتماعية، ومن بينها المواطنة الضريبية حتى يمكن لبلدنا مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، والتي لا يخفى تأثيرها على التنمية الاقتصادية، اعتبارا لأن الضريبة من أهم روافد تمويل خزينة الدولة.ومن هذا المنطلق، واعتبار لما لاحظناه في الآونة الأخيرة من أن بعض الملزمين يحاولون استغلال الثغرات التشريعية والتقصير الإداري للتهرب من أداء بعض المستحقات الضريبية الواجبة الأداء، بما فيها الضرائب ذات الطبيعة الدورية، حيث تكون معروفة لدى الجميع كالضريبة الحضرية ورسم النظافة والضريبة العامة على الدخل ... ، وذلك عن طريق استصدار أحكام قضائية تقضي بسقوط حق الخزينة العامة في استخلاص تلك الضرائب لتقادمها.ومما سهل الوصول إلى هذه النتيجة، تساهل القضاء الإداري بجميع مستوياته في قبول الدعاوى الرامية إلى استصدار مثل الأحكام السالفة الذكر، كاعتبار بيان الملزم أو وضعية الملزم المرفق بالمقال سندا تنفيذيا بدل الأمر بالتحصيل، وعدم اشتراط المطالبة الإدارية قبل رفع الدعوى القضائية وعدم ربط دعوى المنازعة في التحصيل بوجود مسطرة التحصيل الجبري.وهكذا أصبح كل ملزم يهدف إلى التملص من أداء مستحقاته الضريبية، ينتظر مرور أمد التقادم ليتقدم إلى القباضة مطالبا إياها بتمكينه من بيان الملزم الخاص به وعن طريق المناولة باليد، وبعد ذلك يرفع الدعوى مباشرة أمام المحكمة الإدارية يدعي فيها أنه قد فوجئ من خلال اطلاعه على البيان المذكور، أنه مدين للخزينة العامة وأن هذه الأخيرة لم يسبقها أن طالبته بأداء أي مبلغ ضريبي، وأن كل الضرائب المتضمنة بالبيان -الذي سعى إلى استخراجه بنفسه- قد طالها التقادم. وأن المطالبة الإدارية المنصوص عليها في المادة 120 من مدونة تحصيل الديون العمومية غير ملزم بها، ملتمسا إعمال الاجتهاد القضائي لكل من محكمة الاستئناف الإدارية ومحكمة النقض، اللتين لا تشترطان تقديم هذه المطالبة لقبول دعواه والحكم وفق طلباته.وأمام استفحال هذه الظاهرة التي تتنافى مع روح المواطنة الحقة، نرى أنه من الضروري إعادة النظر في العمل القضائي المعتمد حاليا، الذي يتساهل في قبول دعوى سقوط حق الخزينة العامة في استخلاص الضرائب وتفسير النصوص القانونية الواجبة التطبيق، تفسيرا يروم إلى تحقيق دولة القانون في المجال الضريبي حتى تسود العدالة الجبائية في إطار مبدأ المساواة، بين جميع المواطنين سواء كانوا أشخاصا طبيعيين أو معنويين، بخصوص واجب المشاركة في الأعباء العامة حسب المقدرة التكليفية لكل مواطن.ومن هذا المنطلق نرى بداية التأصيل الفقهي لإمكانية رجوع القاضي عما حكم به، إذا تبين له أن الحق في غيره، ومن ذلك نقض سليمان لحكم أبيه داوود عليهما السلام كما جاء في قوله تعالى: (وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكل آتينا حكما وعلما...) ، ورسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري التي جاء فيها: «لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك، أن تراجع الحق، فإن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل ...إلخ) . ومن شروط الرجوع في الحكم أن لا يكون على خلاف النص ولا يجوز تأييده وإمضاؤه بحال، وأن يكون الحكم عن اجتهاد سواء كان في فهم النص وتطبيقه وأن يراد منه تحقيق مصلحة عامة.فما هي المبررات الموضوعية للدعوة لمراجعة العمل القضائي، بخصوص دعاوى المطالبة بسقوط حقوق الخزينة العامة في تحصيل الديون العمومية والأسس القانونية، لاجتهاد المحكمة الإدارية بالدارالبيضاء الذي يروم الحفاظ على المال العام ومواجهة محاولات التهرب الضريبي والتحايل على القانون إعمالا لمبدأ المساواة أمام التكاليف العامة. سوف نوضح ذلك في النقط الثلاثة التالية:أولا: حول إلزامية تقديم المطالبة الإدارية قبل رفع الدعوى القضائية تحت طائلة الحكم بعدم القبول.لابد بداية من تفسير المقصود من المطالبة الإدارية، فهو إجراء يباشره الملزم عبر توجيه تظلم إلى الإدارة ينازع من خلاله في الضرائب أو الرسوم المفروضة عليه، ويطلب فيه إعفاءه من أدائها كلا أو بعضا أو ينازع في إجراءات تحصيلها من حيث الشكل، وقد أفردت مدونة تحصيل الديون العمومية الباب السابع لموضوع المطالبات.ونرى أن القاعدة هي تسهيل إجراءات استبقاء الدين الضريبي وعدم عرقلتها، باعتبار أن الأصل في أعمال الإدارة هي المشروعية، لذلك اشترط المشرع لإيقاف إجراءات التحصيل توجيه مطالبة وتكوين الضمانة وفق مقتضيات المادة 117 من مدونة تحصيل الديون العمومية، وبعد استعراض شكل الضمانات في المادة 118 من المدونة نفسها، نصت المادة 119 على أنه «لا يمكن لأي مدين يكون محل إجراء من إجراءات التحصيل، أن يتعرض عليه إلا إذا تعلقت مطالبته بالمنازعة في قانونية الإجراء المتخذ من حيث الشكل أو عدم اعتبار أداءات يكون قد قام بها». * أستاذ باحث