الشاعر الغنائي "السفير" يحضر لمشروع ملحمة غنائية بأصوات مغربية رغم أن رصيد الأغاني المغربية، المسماة مجازا «وطنية»، يعد بمئات العناوين التي أنتجت طيلة عقود، إلا أن معظمها ألقي به في «مزبلة التاريخ» ولم يعد المغاربة يذكرون منها سوى عناوين محدودة أفرزتها سياقات تاريخية معينة. النفور الفطري للمغاربة من هذا النوع من الأغاني تحكمت فيه عوامل كثيرة، جعلت معظمهم ينظرون إليها عنوانا للنفاق والتزلف والتكسب، وهو ما حكم على العديد من هذه الأعمال الغنائية بالفشل الجماهيري ومحدودية التداول، بحكم الظروف «الاستثنائية» التي أنتجت فيها، فكانت تبدو بالنسبة إلى بعض من «أبدعوها» وكأنها «واجب ثقيل» وجب إنجازه حتى لا يتهموا بالتقاعس خلال المناسبات الكبرى. يتعلق الأمر بنوع من الأغاني تكرس حضورها أكثر خلال فترة الثمانينات، وفرضتها وزارة الداخلية والإعلام، آنذاك، «فرض عين» على كل فنان، رغم أن للأغنية الوطنية وجودا ممتدا في تاريخ المغاربة منذ فترة الحماية الفرنسية، خاصة بعد أحداث 1953 إذ تنامى الحس الوطني لدى المغاربة لمواجهة المستعمر، وأفرزت تلك المرحلة أغاني ما زالت خالدة في وجدانهم، وتقلص حضور تلك الأغاني خلال الستينات، قبل أن تعود إلى الواجهة من جديد أواسط السبعينات مع حدث المسيرة الخضراء.لكن، خلال الثمانينات، دخلت الأغنية الوطنية منعطفا جديدا، إذ تم توظيفها بشكل أساء إليها وإلى من تغنت به، فكانت كل مناسبة وطنية في السنة تفرز عشرات القطع الغنائية دخلت جلها طي النسيان، ليس فقط بفعل فاعل فحسب، وإنما لضحالة مضمونها وضعف نسقها الموسيقي والظروف العامة التي تحكمت في ميلادها على نحو قسري وقيصري.مناسبة استحضار هذا المسار الكرونولوجي السريع للأغنية الوطنية المغربية، هو النقاش الدائر حاليا، حول مشروع ملحمة غنائية جديدة، يراد إخراجها إلى الوجود، بجمع أكبر عدد من الأصوات المغربية الموجودة في الساحة الغنائية. المشكل ليس في المشروع في حد ذاته، رغم أنه يمكن التساؤل حول خلفياته ودواعيه وجدواه، بل في صاحب الفكرة وهو الشاعر الغنائي الكويتي مصعب العنزي، الذي يصر على تقديم نفسه «سفيرا للأغنية المغربية».لا ضير في أن تعشق المغرب، وتنظم كلمات غنائية بلهجته، ولو أن الأمر يتعلق بلهجة تخص فئات عمرية معينة وليست لهجة المغاربة ككل، بل التخوف هو أن يتم إقحام عبارات من قبيل «الساطة» و«تلاح»، التي اشتهر بها العنزي مع أصوات مشرقية، في قاموس «الأغنية الوطنية»، التي لم تعد تجد لها مجالا للتداول، إذ أن جل المبادرات التي اتخذت في هذا السياق من طرف الفنانين المغاربة أنفسهم، خلال «العهد الجديد» كان مصيرها الفشل الذريع، بحكم أنه لا المناخ السياسي ولا الاجتماعي ولا حتى الفني لم يعد يتحمل ميلاد مثل هاته التجارب التي ترى النور، في الغالب، ميتة، ما دام جل «مبدعي» هذه التجارب لم يستطيعوا التخلص من عقدة التزلف.عزيز المجدوب