fbpx
حوادث

دراسة في القانون : محكمة النقض وتخليق الحقل التعاقدي(1/5)

 

الدكتـور حـسـن فتـوخ
الدكتـور حـسـن فتـوخ
الأسبقية في التقييد هي التي تنشئ الحق في مواجهة الأطراف والغير

تطرح أسئلة عديدة حول محكمة النقض، من بينها ما هو دور محكمة النقض في تخليق الحقل التعاقدي من خلال نظرها في المنازعات المتعلقة بإبطال أو بطلان العقود استنادا لسوء نية أحد أطراف العلاقة التعاقدية؟ وما هي المعايير التي كرستها محكمة النقض في هذا المجال لاستخلاص سوء النية في أحد أطراف العلاقة التعاقدية؟  لذلك، فإن الجواب عن هذه الأسئلة المتعلقة بإثبات سوء النية في العقود ، يتطلب منا الحديث عن المعايير القضائية التي كرستها محكمة النقض لاستخلاص سوء النية في أطراف العقد، من خلال أربعة محاور كالتالي:
المحور الأول :
التقييد الاحتياطي كمعيار لإثبات سوء النية
صحيح أن حسن النية هو الأصل المفترض تشريعيا في التصرفات القانونية المبرمة من طرف المتعاقدين عملا بالفصل 477 من قانون الالتزامات والعقود. وصحيح أيضا أن المشرع حصن جميع التقييدات الواردة بالرسم العقاري لفائدة المتعاقد المقيد من أي طعن أو منازعة في مواجهته بحقوق غير مقيدة. غير أنه إذا ثبت للمحكمة خلاف الأصل المذكور في طرفي العلاقة التعاقدية أو أحدهما، فإن التقييد المدون بالرسم العقاري يصبح هو والعدم سواء بسبب فقدانه للأساس القانوني.
ذلك أن إعمال مفهوم المخالفة لمقتضيات الفصل 66 من ظهير 12 غشت 1913، يوحي بإمكان التمسك بإبطال التقييد في مواجهة الغير ذي النية السيئة، وأن إثبات سوء النية يقع على مدعيه، ويتم من خلال ثبوت العلم اليقيني بالتواطؤ الواقع بين المشتري الثاني والبائع للإضرار بالمشتري الأول، وإمكانية تحصين حقه عن طريق التمسك بالأسبقية في التقييد بالرسم العقاري. إذ أن المبدأ في التشريع العقاري يقضي بأنه لا يجوز للمشتري الأول غير المقيد المطالبة بالتشطيب على عقد شراء المشتري الثاني بعلة أنه الأسبق تاريخا، على اعتبار أن الأسبقية في التقييد هي التي تنشئ الحق في مواجهة الأطراف والغير عملا بمقتضيات المادة 77 من ظهير التحفيظ العقاري.
وقد سبق لمحكمة النقض أن استقرت على تكريس هذه القاعدة معتبرة أنه :» لا يكون أثر حتى بين المتعاقدين للاتفاقات الرامية إلى إنشاء أو نقل حق عيني عقاري، إلا من تاريخ تقييدها في الرسم العقاري، ولا يمكن حصول حماية الحق العيني حتى بين المتعاقدين إلا عن طريق إشهاره بتقييده في الرسم العقاري المخصص لكل عقار، كما يستفاد ذلك من الفصل 67 من الظهير العقاري الصادر بتاريخ 12 غشت 1913 والفصل الثاني من ظهير 2 يونيو 1915 المنظم للعقارات المحفظة. وعليه فإن محكمة الاستئناف تكون قد خرقت هذه المبادئ عندما قضت بقبول مطلب شركة كان يرمي إلى الحكم بشطب ما قيد في الرسم العقاري في 7 يوليوز 1949 من عقد متضمن لتفويت حقوق عينية، محرر في 7 يونيو 1949 وذلك ليتأتى للشركة الطالبة أن تقوم بتقييد عقد شرائها المحرر في تاريخ فاتح يونيو 1928 «.
وإذا كان التقييد الاحتياطي يهدف إلى المحافظة مؤقتا على ضمان الحق بأثر رجعي منذ تاريخ إجرائه بالرسم العقاري، فإن آثاره القانونية تمتد إلى الغير الذي يفترض فيه أنه على علم به، ولو كان هذا الغير المدعي لحقوق غير مقيدة هو المشتري الأول بمقتضى عقد سابق في التاريخ على شراء المشتري الثاني.  
فكيف يمكن إذن هدم قرينة حسن النية المفترضة في المشتري الثاني المقيد بالرسم العقاري؟ أو بعبارة أخرى ما هو المعيار القضائي لتحديد سوء النية من عدمه في الطرف المالك وفق بيانات الرسم العقاري؟
جوابا عن ذلك، نشير بداية إلى الخلاف الفقهي القائم حول مسألة إثبات سوء نية الغير المكتسب لحق عيني متعلق بعقار محفظ كالتالي:
– الاتجاه الأول : يعتبر أن مجرد علم المشتري الثاني أن عقده لاحق من حيث الزمن لعقد بيع آخر سبق وأن أجراه مالك العقار، فإن ذلك يشكل قرينة كافية على توافر سوء النية وترتيب أثر عدم الاحتجاج بتسجيله.
الاتجاه الثاني : يعتبر أن مجرد علم المشتري بوجود عقد سابق بين البائع وبين مشتر آخر لا يثبت سوء نيته، بل إن المشتري الأول هو الذي أهمل وتراخى في تسجيل حقه بالرسم العقاري. إلا أنه يشترط لثبوت سوء النية لدى المشتري الثاني تحقق العلم عند تسجيل حقه العيني بالعيوب والشوائب التي تشوب سند أو رسم من تلقى الحق عنه.
الاتجاه الثالث : يعتبر أن مجرد العلم وحده بسبقية الشراء غير كاف لثبوت سوء نية المشتري الثاني، بل يجب أن يقترن هذا العلم بوسائل تدليسية، أو وجود تواطؤ بين المشتري والبائع من أجل الإضرار بحقوق المشتري الأول.
أما بخصوص محكمة النقض فقد اعتبرت أنه « لا يمكن اعتبار المشتري الثاني لعقار محفظ سيئ النية ما دام التقييد الاحتياطي للمشتري الأول تم في نفس اليوم الذي وقع فيه الشراء الثاني».
ويستفاد من هذا القرار أن قيام المشتري الأول بإجراء تقييد احتياطي لضمان الحق مؤقتا على الرسم العقاري، يعتبر قرينة قانونية قاطعة على ثبوت سوء نية المشتري الثاني الذي تعامل بشأن العقار المحفظ محل النزاع رغم كونه مثقلا بالتقييد أعلاه، ويكون بالتالي معفى من إثبات سوء نية هذا الأخير إعمالا لمقتضيات الفصل 453 من (ق.ل.ع) التي تنص على أن « القرينة القانونية تعفي من تقررت لمصلحته من كل إثبات. ولا يقبل أي إثبات يخالف القرينة القانونية «.
كما أكدت المحكمة نفسها هذا الاتجاه، معتبرة أن الشهادة الصادرة عن المحافظ والتي تشير إلى وجود تقييد احتياطي كافية لاعتبار المشتري سيء النية، بحيث إن هذه الشهادة تفيد وجود نزاع حول العقار المثقل به، وتجعل المشتري سيئ النية ويجب أن يتحمل عواقب سوء نيته. وترتيبا على ما أشير إليه أعلاه، يتضح أن إجراء تقييد احتياطي بالرسم العقاري، يعتبر دليلا كافيا على سوء نية المشتري الثاني الذي تعامل بشأن العقار المحفظ مثقلا بالتقييد المذكور.
 ونعتقد أن هذا التوجه القضائي محل نظر من الناحية القانونية، على اعتبار أن هذه القرينة القضائية ليست مطلقة في إثبات سوء النية، وإنما نسبية فقط، لأن الأمر يتوقف على تحديد طبيعة التقييد الاحتياطي المشار إليه في الرسم العقاري وما إذا كان مؤسسا على سند أو على أمر قضائي، أو مقال للدعوى.
ومعنى ذلك، أنه إذا تعلق الأمر بتقييد احتياطي بناء على سند أو على أمر قضائي، فإن مفعول التقييد المذكور ينقضي وبقوة القانون، بانصرام أجل عشرة أيام بالنسبة للأول، وثلاثة أشهر بالنسبة للثاني. ويترتب عن ذلك لزوما انتفاء سوء نية الغير المقيد لاحقا للتقييد الاحتياطي بمجرد انتهاء الأجل، وبعد أن يتعذر على المستفيد منه إنجاز التقييد النهائي للعقد داخل الأجل أعلاه. بل قد يكون سوء النية غير موجود أصلا منذ تقييد الغير للعقد في تاريخ لاحق للتقييد الاحتياطي الذي انقضت مدة صلاحيته، وزال بالتالي مفعوله القانوني في حفظ الحق بأثر رجعي.
 بقلـم :  الدكتـور حـسـن فتـوخ , مستشار بمحكمة النقض

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى